لقاء مع الأب يونان عبيد - الأربعاء 8 كانون الثاني 2003
(ملاحظة: النص منقول من التسجيل الصوتي).
الأعياد التي تَلي الميلاد.

ختانة يسوع: أوّل فعل طاعة.
أوّل فعل طاعة خضع له يسوع كان بعمر ثمانية أيّام ونسمّيه عيد الختانة.
هذا هو العيد اليهودي الأوّل ليسوع = الخضوع الأوّل. فالشريعة تقول: "وابن ثمانية أيّام يُختن كلّ ذكر منكم".
بما تقوم الختانة؟
الختانة هي جرح قلفة المولود وما يوازي الختانة هو التطهير عند الإسلام وما يوازي التطهير والختانة، المعموديّة عند المسيحيّة.
الختانة تقوم خارجيّاً وبطريقة ماديّة حسّية. عندما تجرح قلفة المولود وعلى أثر جرح هذا المكان الحسّاس، تنزل قطرات الدم وبهذه اللحظة هناك نتيجتين:
النتيجة الأولى: ينتسب هذا الطفل المختون إلى الديانة اليهوديّة.
الثانية: يعطى له الإسم من الأب.
عند اليهود ينزل من الطفل الدم أمّا عند المسيحيّة، نضع عليه الماء ونقول: "أنا أعمّدك باسم الآب والإبن والروح القدس".
إذاً بعمر ثمانية أيّام خضع يسوع للشريعة واختُتن وأمّا اسمه فأتى قبله.
لا يوسف ولا مريم أعطياه الإسم. "فيدعى اسمه يسوع، أيّ المخلّص".
هذا هو معنى العيد اليهودي.
وما يهمّنا هو قراءة هذا العيد مسيحيّاً.
بعمليّة التجسّد بدأ يسوع مرحلة الفداء ولكن بالختانة بدأها فعليّاً، لأنّ نقاط الدم القليلة التي نزلت ليست سوى رمز إلى أنّ يهرق يسوع كلّ دمّه على الصليب.
هذه هي إذاً القراءة المسيحيّة الإنجيليّة الفدائيّة لعمليّة الختانة.
تقدمة يسوع: الخضوع الثاني ليسوع.
تقول الشريعة بأنّه يقدّم الطفل بعمر أربعون يوماً إذا كان ذكراً وبعمر ثمانون يوماً إذا كانت أنثى.
خضع يسوع للشريعة الموسَويّة التي تقوم على تقدمة الطفل مع فرخيّ حمام أو يمام إذا كانت حالة الأهل فقيرة.
ما يهمّنا من هذا الحديث هي القراءة المسيحيّة الفدائيّة كي نتعرّف أكثر على المسيح.
هذه هي المحطّة الثانية لمريم العذراء، محطّة الآلام.
هنا نرى عمليّة الروح القدس، الذي قاد سمعان الشيخ إلى الهيكل ليستقبل يسوع. سمعان الشيخ الذي كان ينتظر مخلّص إسرائيل، حمل هذا الطفل وقال: "ستكون سبب لقيامة وسقوط كثيرين" ولمريم العذراء: "أنت سينفذ سيفٌ في قلبكِ..." وأمّا مريم فكانت تحفظ كلّ هذه الأمور وتتأمّلها في قلبها.
وجود يسوع في الهيكل: الخضوع الثالث.
هذا الخضوع نعيّده بعد عيد الميلاد.
ماذا حصل؟
كان متوجّباً على الأهل أن يذهبوا ثلاث مرّات في السنة إلى أورشليم ليعيّدوا. ويسوع أصبح عمره إثني عشرة سنة وأصبح من حقّه أنّ يدخل إلى الهيكل. جلس مع العلماء يسألهم، يسمعهم ويجادلهم.
وهنا نرى تعجّبَين:
تعجّب علماء الشريعة من ذكائه.
تعجّب الأهل عندما وجدوه في الهيكل.
ما يهمّنا في هذا، الحديث الذي حصل.
من خلال هذا الحديث نرى أنّ يسوع يعطي الأولويّة لأبيه: "لِما تبحثان عنّي؟ ألم تَعلما أنّه يجب عليّ أن أكون عند أبي؟".
يسوع يردّ على ملامة أمّه بملامة، وكأنّه يريد القول بأنّ على مريم أن لا تفتّش عن ابنها وأنها يجب أن تعرف المكان الذي يجب أن يكون فيه، أي بيت الله.
في ملامة مريم نرى وكأنّها تفكّر بالوصيّة الرابعة: أكرم أباك وأمّك. وفي ملامة يسوع نرى وكأنّه يفكّر بالوصيّة الأولى: أنا هو الربّ إلهك.
يسوع يأخذ قراره بأنّ تكون كلّ حياته لأبيه.
في إنجيل لوقا، اقرأ أوّل كلام ليسوع بعمر 12 سنة: "عليّ أن أكون لأبي" وعلى الصليب نسمع آخر كلماته: "يا أبتي بين يديك أستودع روحي".
يركّز لوقا في إنجيله على حضور الله الدائم. في البداية نرى التسليم الكامل، الطاعة الكاملة والأولويّة الأولى وفي النهاية نجد أيضاً التسليم الكامل والطاعة الكاملة.
مثلاً في إنجيل يوحنا نرى مريم في البداية وفي النهاية. والإنجيل قائم على عرسين: العرس الأوّل رمز وبداية، والعرس الثاني حقيقة ونهاية.
وكأنّ مريم هي البداية وهي النهاية في سرّ يسوع المسيح.
القراءة المسيحيّة الفدائيّة للحدث:
لنتأمّل يسوع يضيع لثلاثة أيّام. وُجِدَ في اليوم الثالث في الهيكل وفرحت مريم. اليوم الثالث وفرح مريم ينقلاننا إلى حدث القيامة.
معموديّة يسوع:
نعيّد هذا العيد في السادس من شهر كانون الثاني. يسمّى بعيد الظهور أو عيد الدنح. وكلمة دنح أصلها سرياني "دنحو".
نبذة تاريخيّة عن هذا الظهور:
ابتداءً من الجيل الرابع بدأ المسيحيّون يعيّدون عيد الظهور في 6 كانون الثاني ونُقل عيد الميلاد من 6 كانون الثاني إلى 25 كانون الأوّل الذي كان عيد الشمس. فعندما تحوّلت الأمبراطوريّة الرومانيّة من دولة وثنيّة إلى دولة مسيحيّة بقرار من الملك قسطنطين، استفاد المسيحيّون من هذا القرار ليحوّلوا الأعياد الوثنيّة إلى مسيحيّة وكان أبرزهم عيد الميلاد. فأستبدِلَ عيد الشمس التي تعطي الضوء والنور بعيد ميلاد يسوع المسيح، شمس البرّ.
وعندما أقول عيد الظهور يجب أن نفهم أنّ هناك ثلاث أعياد للظهور:
الظهور الأوّل: ظهور ابن الله بالجسد: عيد الميلاد، ظهور موجّه إلى الشعب اليهودي الذي كان ينتظر مخلّصاً. أتى تحقيقاً للنبؤات وأبرزها نبؤة أشعيا 7/14 "ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعى اسمه عمّانوئيل". تمّ هذا الظهور لليهود حتّى يؤمنوا ولكنه أتى إلى خاصّته وخاصّته لم تقبله.
الظهور الثاني: ظهور للمجوس والرعاة. هاتان الفئتان يمثّلان الفئة الوثنيّة. وعيد المجوس، دخل مؤخّراً في أوروبا مع الأعياد المسيحيّة لأنه كان هناك ملوك وإلى اليوم في إسبانيا يسمّونه عيد الملوك المجوس.
الظهور الثالث: المعموديّة حيث يظهر الثالوث الأقدس:
* بشخص الإبن ß يسوع المسيح
* بشخص الآب ß بصوت الآب
* بشخص الروح ß بشكل حمامة.
في عمليّة المعموديّة هناك ثلاث أفعال تخلّي و ثلاث أفعال تجلّي.
لشرح هذه الأفعال نبدأ القراءة الروحيّة للحدث.
فعل التخلّي الأوّل:
يسوع تخلّى عن ألوهيّته وأعدّ نفسه خاطئاً. وقف بالصف مع الخطأة ينتظر دوره للمعموديّة.
في أيّام يوحنّا المعمدان كانت رتبة المعموديّة تهدف إلى التوبة، الإرتداد وتنقية الشعب لأنه منذ القديم الغسل بالماء كان يرمز إلى التطهير وإلى التنقية. "من إثمي اغسلني ومن خطيئتي طهّرني".
إذاً يسوع تضامناً مع الخطأة أراد أن يقف في الصفّ.
الفعل الثاني: طلب المعموديّة.
من المؤكّد أنّ يسوع لم يكن بحاجة إلى أنّ يُعمّد ولا إلى أنّ يُجرّب ولكنّه تعمّد وتجرّب ليكون قدوة لنا وليقول لنا خاصّة في التجربة، الإنسان المسيحيّ لا يمكن أن يُقهر ويكون تحت رحمة الشيطان.
إذاً غطس يسوع في المياه وبدل أن يتقدّس الإنسان بالماء، تقدّست المياه بيسوع. ومع خروجه من المياه لم يبقَ غريق تحت المياه لأننا سنرى فيما بعد أنّ النزول إلى الماء والخروج منه يرمزان إلى الموت والقيامة.
الفعل الثالث: صلاة يسوع.
عندما نزل إلى المياه وكان يعمّده يوحنّا، كان يسوع يصلّي.
والإنسان يصلّي وقت العماد، معنى ذلك أنّه بحاجة إلى مساعدة ربنا ومساندته.
أفعال التجلّي
1- الفعل الأوّل: انفتحت السماء.
لطالما تمنّى شعب العهد القديم أن تُشقّ السماوات وينزل المخلّص. وها هي الأمنية تتحقّق مع يسوع. وعندما نقول "انفتحت السماء" هذا لأنّها كانت من قبل مقفلة.
مقفلة بسبب الخطيئة الأصليّة التي ارتكبها آدم الأوّل.
وأكرّر أنّها سميّت الأصليّة لأنّ الإنسان جعل ذاته الأصل بدل ربّنا. منذ أيّام المسيح حتّى اليوم مفتاح السماء هو في يد كلّ واحد منّا، في يد كلّ معمّد، طالما اغتسل بمياه المسيح وانتمى إليه وإلى نسله. بالمعموديّة حصلنا على إخراج قيد مسيحي وأصبحنا أخوة ليسوع وأبناء للآب. إذاً السماء لم تعد مكاناً جغرافيّاً، إنّما واحة روحيّة، واحة لقاء بين الخالق والخليقة. انفتحت السماء معنى ذلك أنّني مؤهّل أن أعاين، أن أدخل، وأن أعيش حضور الله في حياتي، هذا هو الأساس.
2- الفعل الثاني: حلول الروح لقدس.
حلّ الروح القدس على يسوع ليملأه ويمتلكه. أتى يسوع بفضل الروح القدس ولم يغب عنه أبداً. أتى عليه بمناسبة مجيئه على الأرض. وحلّ عليه بمناسبة بداية عمله التبشيري ليكون المرافق، الضامن والمدافع... أتى ليمتلك يسوع. ويسوع تعاطى مع الروح القدس بثلاث طرق:
يسوع خضع لإلهامات الروح القدس وانقاد لتوجيهاته، وأوّل انقياد له كان ذهابه إلى جبل التجربة حيث جرّب ثلاث مرّات بتجارب رئيسيّة، لكنّ يسوع لم يقع فيها.
تكلّم يسوع عن الروح القدس وعرّف عنه "سيأتي بعدي البارقليط" وعد يسوع تلاميذه بالمعزّي، بالمدافع، بالحضور الإلهي، وعدهم بالروح القدس.
يسوع أعطى تلاميذه الروح القدس.
إذاً حلّ الروح القدس على يسوع ليمتلكه وليملأه وليفيض فيه لأنّه يعلن عن رضى الله.
3- الفعل الثالث والأهمّ: الله يعرّفنا بابنه.
عرّف الآب بابنه مرّتين: المرّة الأولى في المعموديّة والثانية على جبل التجلّي. قال الكلام ذاته مع زيادة كلمتين على جبل التجلّي "له اسمعوا".
إذاً الله الآب عرّف بابنه قائلاً: "هذا ابني الحبيب الذي به سررت"
ومعنى هذه الكلمة:
أوّلاً: النبؤة
ثانياً: الرضى
لأوّل مرّة في الكتاب المقدّس يسمّى أحداً "إبني" كان يقال عبدي، فتاي، مختاري.
للمرّة الأولى وبفضل فعل التجسّد أصبح لدينا بنوّة وقد قلنا سابقاً بأنه أصبح لدينا أيضاً أبوّة، أخوّة، أمومة.
نال المسيح رضى أبيه وكُلِّفَ بمهمّة وهي:
التبشير بالملكوت – الآلام – القيامة.
الكلمة الأخيرة:
في الإنجيل، ما الذي عرّفنا بيسوع المسيح؟
* صوت الجحيم la voix de l’enfer، الجحيم أي الشياطين: لقد اعترفت بيسوع ابن الله.
ولنتذكّر عند المعموديّة، الشيطان كان حاضراً وسمع صوت الآب يقول ليسوع "هذا ابني الحبيب". لذلك خطط أن ينزعه عن أبيه ويضمّه له وكانت التجارب "...إن كنت ابن الله...".
ومرّة ثانية قالت له الشياطين: "نحن نعلم أنّك يسوع ابن الله"
* صوت الأرض voix de la terre، وأبرزهم ما بطرس، هو الناطق الرسمي للتلاميذ.
وعندما سأل يسوع تلاميذه "مَن أنا في رأي الناس؟" تعدّدت الأجوبة، وحده القديس بطرس اعترف عالياً: "أنت المسيح ابن الله الحيّ".
* صوت الآب Voix du père ، عرّف عن ابنه مرّتين: في التجلّي الثالوثي الأوّل على المياه في نهر الأردن.
في التجلّي الثالوثي الثاني على الجبل بشخص الإبن المتجلّي، في شخص الغيمة التي ترمز إلى الروح القدس وفي صوت الآب الذي قال: "هذا ابني الحبيب له وحده اسمعوا".
خلاصة أخيرة لهذا الكلام:
عندما نقول عيد الظهور - عيد الحضور، هذا يعني أن أعيش حضور الله في حياتي. وبقدر ما أعيش هذا الحضور داخليّاً، أعيش حالة إيمانيّة سليمة لأن المهمّ هو أن يكون يسوع ظاهراً في حياتي وحاضراً فيها.
في هذه الطريقة أكون قد تعرّفت على يسوع المسيح إلى عمر ثلاثون سنة.
آمين.