الأربعاء الأول من شهر شباط 2005 – 2/2/2005
الأب مارون مبارك – مرسل لبناني –
كنيسة مار شربل – أدونيس

الموضوع: "أرسلني"
الليلة عيد دخول المسيح إلى الهيكل، يعلمنا سمعان الشيخ امور كثيرة، من بينها السرّ العميق للرسالة. عندما حمل يسوع بين يديه، ورأت عيناه الخلاص، لم يعد يقدر ان يبقى، أراد أن يذهب الى ابعد مكان ليكون هو بين يديّ الربّ لهذا قال كلمته الشهيرة "أطلق عبدك بسلام"
ارسلني: أي ملأ حياتي، ملأ عيني وقلبي من محبته، صرت ممتلئاً منه، فلا اعود اقدر ان ابقى مكاني.
في هذه السنة القربانية تلميذي عماوس، لما عرفا الربّ عند كسر الخبز ما عادوا قادرين ان يبقيا مكانهم وهم الذين كانوا يطلبون منه وقد جاء الليل، "امكُث معنا". أما هو وقد اختفى، قد دخل قلبهم وامتلأوا، نوّرَ فكرهم فعادوا إلى أورشليم ليشاركوا أخوتهم بهذه الفرحة العظيمة.
إذاً : سرّ كلمة أرسلني: ملأني.
المرسل أو رسول الربّ هو إنسان يحمل شيئاً ما. هناك ثلاث عبارات، مفاتيح لندخل مفهوم الرسالة.
v العبارة الأولى: من اصل لاتيني Mission --> Mitere --> مهمة – شخص – مكان. هي المهمة التي يحملها الإنسان لينقلها إلى الآخرين. هي فعل: Mittente --> المرسل: شخص معنوي أن مجموعة يسمونها Mission، مثلاً مركز جماعة في مكان معيّن يسمونها Mission، مركز، مهمّة، جماعة تحمل شيئاً للآخرين؛ لكن لإيصال هذا الشيء على حامله أن يمتلئ منه.
v العبارة الثانية: Apôtre، هي من اصل يوناني Apostoleim: تحرك من مكان الى مكان، Apo = ما بعد؛ Stellar= Jeter، رمى إلى بعيد، من هنا إذهبوا إلى الأرض كلّها. هؤلاء التلاميذ، ملأ ألرب قلب التلاميذ من محبته الحقيقيّة، قال لهم: إذهبوا، انتقلوا من مكان الى آخر (متى 10). الرسالة الأولى كانت رسالة محدودة لعمل محدود. لكن بعد القيامة قال لهم: "إذهبوا في الأرض كلّها وأعلنوا البشارة الى الأرض اجمعين، عمّدوهم، علّموهم وها أنا معكم حتى الانقضاء. لا مكان ولا اشخاص محددين، رسالة واسعة، لهذا نحن اليوم المسحييّن، نحمل رسالة الربّ بلا حدود. صارت حياتي كلّها رسالة متواصلة. على سبيل المثال، (جمعيتنا جمعية رسولية، بالقوانين التي تركز روحانيتنا وموهبتنا الخاصة، تقول أن المرسل الكريمي هو دائماً مُرسَل وفي حالة رسالة، حتى ولو كانَ عجوزاً وفي الفراش. هو مُرسل لأن حضوره يشهد للملء من يسوع، بصلاته من اجل النفوس، بصبره على الألم، شهادة صادقة عن حبة وإكرامه لله. ليس من الضروري التنقّل من مكان إلى مكان، نحن أيضاً نعيش حالة الانتقال من حالة الى حالة في حياتنا لكن نحمل دائماً صورة علاقتنا بربّنا لنعلّم الآخرين بناء علاقة مع الربّ.
v العبارة الثالثة: Shelieh مصدر عبري أو بالسرياني فعل شلوحو: حمل مهمة بأمر رسمي، وتكليف خطّي. شلاح، شلحاً: أي المرسل. نرتل بالسرياني "أرسلني الآب كلمة بدون جسد". إذا عدنا للكتاب المقدس، القديس بولس كان يذهب إلى رؤساء اليهود ويأخذ منهم ورقة رسمية ليقبض على المسيحيّين ويزجّهم في السجن. معه صكّ رسمي. وبعد أن ارتدَّ ولمّا وقعت مشكلة الختانة للمسيحيّين من اصل وثني، اجتمع الرسل وقرّروا انّه لا لزوم للختانة، فالمعموديّة تكفي لتجدد الإنسان، ارسلوا شخصين مع رسالة رسمية. هو الذي يحمل مكتوب، تعيين، تفويض رسمي ليتكلم باسم الجماعة.
أرسلني إذاً سلّمني هذا النوع من الرسالة. لا يحق لأحد ان يفتح على حسابه، أو يعمل رسالة إذا لم يكُن معه موافقة رسميّة من رؤساء الكنيسة. هذه هي الناحية القانونية التي لا نحصل عليها دائماً، لكن الرسل كان معهم اكثر من ورقة كان معهم الروح القدس، هو الصكّ، السلطان الإلهي الذي كان يحرّك قلوبهم واقدامهم، (ما أجمل أقدام المبشّرين)، وكان الربّ يعمل ويسند اعمالهم كما يقول مار مرقس في نهاية إنجيله.
المُرسَل: أرسلني من مكان إلى مكان، ووضعَ في شخصي لمسته الإلهية والروح القدس. ولمسته الخارجية من خلال سلطان الكنيسة.
هذا إذاً المفهوم الأساسي لأرسلني والجوهر الأساسي للرسالة: ملأني، فإذا لا أمتلئ لا أقدر أن امشي وأواصل العمل ولا يمكنني الذهاب باسم الكنيسة.
الكنيسة رسولية: الكنيسة هي رسولية لأنها بُنيَت على الرسل ولأنها تحمل مهمة مكلفة بها رسمياً من الرب: التلاميذ هم رسل لأنهم أخذوا رسالتين: الأولى محدودة قبل القيامة والثانية بلا حدود بعد القيامة. الأشخاص الذين هم بعد الرسل اخذوا عنهم هذ البعد الرسولي والعمل. الأساقفة....
فالمسيح أوكل الرسل بالكنيسة. لهذا لما اعيش رسالتي، لا أعيشها وحدي، اعيشها في قلب الكنيسة. المرسل لا يفتح على حسابه الخاص، يبقى دائماً معلّق بالنبع، آخذ وأعطي، امتلئ وأفيض. المرسل ليس كالقناة التي تنشف (كما يقول القديس اوغسطينوس) هو كالحوض يمتليء، يعطي، ولا يفرغ. نحن نحمل يسوع، نحمل رسالة كنيسته. كل مؤمن هو مرسل لأنه بفعل المعمودية يعمل هذه المهمة.
تطور مفهوم الرسالة:
كيف تطورت عبر التاريخ:
1- اقتراب مجيء المخلص وانتظاره: بالأجيال الأولى كانت رسالة انتظار. الرسل يحضّرون الناس: إنّه قريب. هي هذه الحرارة بانتظار لقاء الربّ. من هنا كانت جماعة واحدة يكسرون الخبر، يتقاسمون فيما بينهم، كانت سلطة الرسل سلطة كبيرة لأنهم كانوا جماعة جاهزة لاستقبال الرب في المجيء الثاني.
2- الاستشهاد: مواجهة كل ما يعاكس الإيمان (الاستشهاد).
صارت الرسالة أن يبقى الإنسان صامداً بإيمانه حتى لو كلفه حياته. وكانوا يقولون ليس هناك قوة اكبر من قوة الإيمان عندما اضع حياتي ثمنها. من هنا صارت الرسالة "أن أثبت على إيماني ولا اتزعزع". وصار المرسل هو الشهيد.
3- الحياة الرهبانية والصحراء: بعدها بدأت رسالة الصمت والحياة المنعزلة.
لما بدأت تنطلق الحياة الرهبانية، صارت الرسالة أن ابقى ثابتاً طيلة حياتي في عيش جذرية الإنجيل. صاروا يعيشون بالقفر والانعزال، حياة صمت وتأمل بكلمة ربّنا، لينغمسوا فيها. يعيشون منها ومن أجلها. لهذا كانوا يعيشون التنسّك ومن وقت لآخر ينزلوا ويذهبوا إلى الحياة المدنية، بين الناس من أجل أن يجذبوهم لما يعيشونه. إذاً صارت الرسالة حياة الصمت وحياة الإنجيل بجذريته.
4- مسحنة الشعوب: انطلقت الرسالة إلى ما وراء الحدود لكي تنتشر إلى المناطق التي لم تعرف المسيح . ففي قلب الامبراطورية الرومانية، بعدما صارت المسيحية الديانة الرسمية للدولة وبعد ان انشغلت في تنظيم الموعوظين وغيرهم على ارض الامبراطورية انطلقت نحو العالم. صار الهمّ هو الانطلاق لتوسيع الانتشار المسيحي. روسيا، المانيا... والبلدان الأوروبية الواسعة، ما وراء أسوار الامبراطورية الرومانية.
وبعدها أخذت تنطلق الرسالة إلى المناطق الأبعد، اميركا والهند وما وراء البحار الكبرى ليبشروا كلمة الله والكنيسة، وهنا انطلقت الرسالة إلى جانب التجارة والسياسة. كان الملوك يذهبون للفتوحات، يرافقهم المرسلون، وانطبعت الرسالة بطابع الاحتلال، وهنا تلطّخَ العمل الرسولي وزاح عن أساسه، فقامت الكنيسة بشخص البابا لتقول هذه ليست رسالة، الرسالة ليست بقتل الناس ليؤمنوا بينما الكلمة هي التي ماتت ليعيش الناس. وعادت الرسالة.
5- نحو الداخل: إحياء الإيمان ونهضة مسيحية: وعادت وانطلقت الرسالة مع الرهبان، يحملون كلمة الله إلى قلب هذه الشعوب وكما يفهموا، هذه الكلمة التي تتجسّد أينما كان. مع المحافظة على كل تقاليد الشعوب، والاحترام نحو الآخر. كلمة الله كما تجسّدت في الشعب اليهودي والأوروبي، قادرة أن تتجسّد في الشعوب الأفريقية. انفتحت الرسالة وبدأت تنطلق وتعمل قفزات:
6- المحبة: صارت خدمة المحبة أحمل من كل الخيرات التي معي، وصارت رسالة خدمة الفقراء، المرضى، المعوقين... فُتِحَ باب لكل إنسان يحتاج يد الله من خلال يد الإنسان. ووصلت الى آخر درجة:
7- الحوار : مع كافة الأديان، كل الناس انفتاح ومحبة لتتألق وتأتلف حول كلمة الله. نقترب لنلتقي مع الآخرين بحقيقة الربّ الذي خلّصنا.
هذا هوَ مشوار الرسالة:
نطرح على ذاوتنا السؤال التالي: "نحن اليوم عيلة مار شربل" أرسلني : كيف افهمها في حياتي؟ هل لأكلّم الناس عن الله؟
هل لأشهد للناس كيف أعيش مع الله؟
هل لأذهب نحو الآخرين لخدمة المحبة بأي وجه من الوجوه؟
هل رسالتي لألتقي بكل من التقي بهم ونتحلّق حول حقيقة ربّنا؟
"ارسلني" – تجعلنا نطرح استفهام كبير، أي وجه من وجوه الرسالة أعيش انا اليوم.
إذاً مفهوم الرسالة الكامل المنظم هو:
1- متابعة رسالة يسوع وكنيسته الرسولية
2- إعلان الملكوت وتحقيقه في زمننا اليوم.
3- بواسطة الإعلان والتعليم بالانجيل عن طريق:
a. التبشير والتعليم المسيحي.
b. التوبة والصلاة والعبادة
c. شهادة الحياة حتى الاستشهاد
d. وخدمة المحبة.
هذه الطرق العملية التي أُعلِنْ أن الملكوت حاضر وهذه كلّها تعيشها الكنيسة نحو كل الشعوب والاشخاص والجماعات والثقافات، مع تفضيل خصوصي للفقراء. اي كلّ إنسان بحاجة ليلمس الرجاء في الحياة.
الهدف 1: لكي يقبلوا كلّهم، عن طريق الإيمان، وحي الله ونعمته فيدخلوا في وحدة العهد معه وحياة جديدة.
الهدف 2: الهدف الأبعد ليصبح هذا العالم موافقاً لمشروع الله.
الهدف 3: كل هذا لمجد الله.
الرسالة في عيلة مار شربل:
عيلة مار شربل عندها رسالة: ماذا تعني لكم "ارسلني". انتم الذين تنتمون إلى روحانية الجماعة الخاصة. أن نعيش حياتنا المسيحية الملتزمة لكن الطابع المميّز لالتزامنا المسيحي الذي يطبعنا ما هوَ: يعرفوننا لأسباب عديدة.
ثلاث امور: طبعها فينا القديس شربل دون أن يتكلّم، نظرنا إلى مار شربل، فطبع فينا طبعة خاصة.
1- تحملون طابع المسيح الخاص: سلمكم إياه مار شربل، وأُنيرَ لكُم من خلاله. هو العمق الخفي والغنى الظاهر. بمعنى كلمة الله التي تحفر بالقلب كما كان يعيشها مار شربل في النسك والتأمل والصلاة والتقشّف. بعد أن ينظر العالم إليه، يقرأ مفاهيم كبيرة، ونحن اليوم بمجرد أن نظرنا إليه تعلّمنا إنجيله. لأن الكلمة الخفيّة تبرز بنوعية حياة. تحملون طبعة خصوصية من يسوع هي الكلمة العميقة التي تظهر بالحياة.
2- خدمة المسيح الخاصة خدمة خصوصية ليسوع التي طبعها مار شربل تظهر ب:
a. المحبة الأخوية. هي صفة بارزة في عيلة مار شربل تترجم بعيش الجماعة مع كل مقوماتها. اللقاء، الانسجام، التضحية، الصدق والحوار، إن كان في الكنيسة التي ننتمي إليها ولا نزيح عنها، أو الجماعة المنسجمة مع بعضها البعض، تضحّي، تصلي، تعيش الحوار حول كلمة الله، وفي نفس الوقت تفتش أن تعيش صدق كلمة ربّنا.
b. العطاء من الذات: تعيش هذه الجماعة صدق كلمة ربنا، فتتكلف عناء الصعود كل ليلة جمعة الى عنايا للقاء الجماعة، صيفاً شتاءً، وكيفما كان الطقس، بارداً، مثلجاً عاصفاً، حارّاً... لا يفتّش الفرد فيها عمّا يخسر بل عمّا يربح في لقاء أخوته.
c. تبادل الخبرات: هو تبادل خبرات كل من يعيش حضور الله في حياته ليشاركه مع الآخرين، لا شيء مخفي. هذا الغنى الإلهي في حياته يبرربالكلام أو بالخدمة. يعيش العطاء من الذات بشكل يخدم الآخرين على طريقة السامري الصالح. (ربط نظره بقلبه ويديه). يعيش تبادل خبرات حضور الله الفاعل بحياة كل شخص، وهذا ما يظهر من خلال شهادة كل شخص ومن شهادة الجماعة.
3- تبرز صورة الكنيسة المارونية: عيلة مار شربل، تُظهر صورة الكنيسة المارونية، وهذه طبعها مار شربل فيها، اي أنها تعيش روحانيتها البسيطة في ممارساتها، والغنية بمعناها في عيش الألفة مع الربّ من خلال كتابه المقدس ومن خلال تعاليم الآباء ومن خلال تاريخ الكنيسة. روحانية كنيستنا هي روحيانية البساطة، زياح ام الله، روحانية القدّاس، صلاة الفرض التي فيها تغنى وتتغنّى بصفات الربّ. هي روحانية درب الصليب في زمن الصوم، هي روحانية السنة الطقسية المقسمة والتامل في مراحل حياة يسوع، هي الروحانية البسيطة، وعلى قدر ما نعيش ونمارس هذه الروحانية هي تغنينا، لأنّها تعيّشنا الألفة مع الربّ. مار شربل، في حياته، كان في محبسته يعمل في الحقل، يصلّي ويتأمل. لهذا أعطى الأولية. العمل والصلاة، ثم تأتي باقي الأشياء إذا وُجِدَت. إذا راجعنا قديسينا فهم ليسوا الفلاسفة الكبار، فبين مار افرام بالبساطة والشعر، ويوحنا الصليب بالفلسفة الروحية، نشعر أنّ البساطة توصلنا للعمق، والتحلّق في عالم الفلسفة يوصلنا للعمق. لكن البساطة اقرب إلينا. نحن روحانيتنا، روحانية البساطة. فلا نريد ان نرتفع بالفكر بقدر ما نريد ان نغرق في العمق.
روحانية تتركز كثيراً على الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات". مار شربل طبع فينا هذه الأمور الثلاثة، أن نعرف طابعنا الخاص بعلاقتنا بيسوع، خدمتنا الخاصة بعيش المحبة الأخوية ومنبعنا الخاص بعيش الروحانية المارونية البسيطة، لنشهد لصورة كنيستنا التي من خلالها ربّنا يقدّسنا.
احببت ان اركز على هذه الأشياء وهناك المزيد والكثير مما يقال حول الرسالة.
اتمنّى ان نعيشها كلّنا هذه الرسالة التي تنبع من ملء ربّنا فينا وتصب بشهادتنا الصغيرة البسيطة التي تصل الى القلب
المرسل الناجح في حمل الرسالة هو الذي تنبع الكلمة من قلبه فحتماً ستصب في قلب الآخرين. هذا هو سرّ نجاحنا.
آمين.