![]()
تعليم الجمعة في 25 تمّوز 2003
الموضوع: شخصية مار بطرس.
مقدّمة:
أحييِّ الجميع في هذا المساء ولنتبارك جميعنا من هذا المكان المقدّس بشفاعة مار شربل الذي احتفلنا بعيده الأحد الفائت مع مار إلياس. وإذا أردنا المقارنة بين هذين القدّيسين، واحد من العهد القديم والآخر من العهد الجديد، الفارق بين مار إلياس ومار شربل يقدّر بِ ثلاثة آلاف سنة ولكن لا وجود للمسافات والسنين لدى الله. الإثنان قدّيسان والإثنان عاشا بحسب شرعة الملكوت وتقدّسا، ولكن كلّ على طريقته. مار إلياس استعمل الغيرة على بيت الله، أمّا مار شربل فقد استخدم الصوم والتنسّك. طالما أن هاتان الوسيلتان مزروعتان بالحبّ هذا يعني أنّه مَن يحبّ يصل وحده إلى القداسة.
بما أنّه يوجد معنا اليوم فتيات طالبات في راهبات الورديّة يدرسن دعوتهن للتكرّس وهنالك أيضاً شباب ومتزوّجين، أتناول في موضوعي شخصيّة مميّزة في تاريخ كنيستنا المسيحي تناسب الجميع، وهي شخصيّة مار بطرس. ومنه سأتناول عدّة مواضيع تغني الكل.
مار بطرس كما تعلمون وبفضل يسوع الذي اختاره، حوّله من إنسان إلى آخر من صيّاد سمك إلى صيّاد نفوس. والفكرة الاولى التي أريد إيصالها هي أن الربّ عندما يريد اختيار أحداً ما يختاره متى يشاء كيفما يشاء وأينما يشاء. فكما اختار مار بطرس ومار شربل، اختار أيضاً عائلة مار شربل واختار كثيرين ملتزمين بحركات رسوليّة. في الدعوة يوجد الداعي أي الله والمدعو أي الإنسان وكلّ مدعو مطلوب منه إن يلبي صوت الداعي أي ربّنا.
أناقش في موضوعي عن مار بطرس ثلاث نقاط:
- أوّلاً: "بطرس يتبع يسوع من بعيد" .
توجد هذه الجملة في إنجيل الآلام وذكرها الإنجلييّون جميعاً. لماذا تبعه من بعيد ولماذا نتبع نحن يسوع من بعيد وما معنى هذه العبارة؟
أمامنا ثلاث حلول تعنينا جميعاً.
* الحلّ الأوّل: نحن نقدّم ذواتنا للربّ ونتعهّد بسماع كلمته وحفظ وصاياه وتقريب ذاتنا له، يعني أنّنا نتبع يسوع عن قرب أي نتبعه ونسمع له ونخضع له. إذا كنتُ متزوّجاً أو راهباً أو راهبة، أتعهّد نفسي بأن أفعل المستحيل وأتبع طريقة وطريق ربي. أتبع طريقة وطريق يسوع من خلال كلمته ونعمته من خلال روحه وأمّه وكلّ شيء فيه.
* الحلّ الثاني: هو عكس الاوّل، أي أني لست على استعداد لسماع يسوع وتناوله أو السير بحسب خطّته وهذا حال الملحد والمبتعد عن المسيحيّة.
* الحلّ الثالث: يعنينا كثيراً وهو حل مزدوج جداً. أقول ليسوع أنّي أبغي اتباعه ومن جهّة أخرى أتبعه من بعيد. أعده وأقدّم له أموراً وأعيد استرجاعها. لنفترض أنّي مكرّس وعلى الإنسان المكرّس أن يكون بكليّته لربّه والإنسان المنتمي إلى عائلة مار شربل أو إلى حركة رسولية علمانية يقطع على نفسه أيضاً وعداً بأنّه للربّ. ولكن في الواقع يوجد هوّة بين ما أقوله وبين ما أعمله، بين ما أنا ملتزم به كلامياّ وبين ما ألتزم به ميدانيّاً على الأرض. يوجد هوّة بين ما أنا عليه وبين ما أعيشه. مثلاً كأنّي أقول للرب رأسي هو لك إذا أردت وضع إكليل من شوك عليه أنا راضٍ ولكن لا تمسّ قلبي. أقبل بأن تسمّر يداي وتتألّمان ولكن لا تقترب من أموالي. عندما اضع شروطاً تناسبني على ربّنا، أكون بذلك أتبع يسوع من بعيد. في البداية يكون الشخص الذي يريد التكرّس متحمّساً يقول ليسوع بكل صدق أنت عروسي وأنا كلّي لك، أنت كنزي وكل شيء لي، ويتعهّد السير في حياة مسيحيّة تقتضي التخلّي. وعندما يحين وقت التخلّي عملياً يجد نفسه متراجعاً. يوجد حماس في الكلام والنيّة والمقاصد، إنّما حين التطبيق نجد الضعف. وهذا هو اتباع يسوع من بعيد.
إذا كنتُ متزوّجاً أعد يسوع بأمور في حياتي الزوجيّة كأن أكون ملتزماً مسيحياّ بالصوم والنشاط الراعوي والثقافة الدينيّة. ونصل إلى وقت نجد فيه أنفسنا رجال المناسبات فقط. والعدو الأكبر الذي يحول دون اتباع يسوع عن قرب هو الإنتماء الطائفي أو التديّن الخارجي، أي انّي أقوم بالواجب الديني في المناسبات فقط كعيد الميلاد وإثنين الرماد وغيرها. ولكن هذه الأمور لا تنجح لأن الربّ يقول: "من ليس معي فهو عليّ" قد نخدع أو نلاطف بعضنا البعض ولكن ليس بإمكاننا خداع المسيح لأن المسيح هو متطلّب ومتصلّب، إمّا معه وإمّا ضدّه. مار الياس الذي ذكرته في المقدّمة يملك شعاراً رائعاً جداً كان يردّده لشعبه وهو: "لا تعرجوا على الجانبين" كونوا صادقين مع الإنتماء والالتزام والأمانة. نحن اليوم في هذا المكان في عمليّة فحص ضمير. كيف أتبع يسوع بحرف "التاء" وكيف أطبع يسوع بحرف "الطاء"، اتباع يسوع يعني طبع يسوع في فكري. أنا في عمليّة تبنّي لإنجيله لأنّه يعنيني ويغنيني، ينوّرني ويحرّرني، ينبوعٌ لي وطريقي هو وكل حياتي. من أراد أن يتبع يسوع عليه أن يتبنّى خطّة يسوع المسيح دائماً ومهما كانت الظروف ومهما كان الثمن. لا يمكننا أن نمازحه لأن هذا يوصلنا إلى نكرانه.
- ثانياً: "نكران يسوع".
وهذا ما حصل مع بطرس. فعلى الرغم من حماسه وغيرته ومحبّته ونظرة يسوع المسيح وتمييزه له، عندما وصل إلى وقت العطاء والتضحية والإماتة والتنازل، تنحّى جانباً. إذاً أنْ أقدّم ذاتي يعني أن أقدّم ذاتي دائماً. بطرس تعهّد باتباع يسوع إذ قال له: "إلى مَن نذهب يا ربّ وعندك كلام الحياة". ومرّة أخرى أظهر عدم تخلّيه عن يسوع عندما كان في بستان الزيتون وقال يسوع: "إضرب الراعي تتبدّد الخراف" فأكّد بطرس عدم تخلّيه عنه حتى لو تركه الجميع. فقال له يسوع قبل صياح الديك ستنكرني ثلاث مرّات. غيرة مار بطرس رائعة ولكن وقت المحنة والشهادة حتى الإستشهاد تراجع إلى الوراء وكان يتدفأ قرب النار وأنكر يسوع في ثلاث مناسبات. خطر اتباع يسوع من بعيد هو النكران. حتّى في الحياة الزوجيّة فعندما أعيش الأمانة الزوجيّة من بعيد أكون بهذا أتنكّر لحياتي الزوجيّة ولشريك حياتي وقد أستبدله بسرعة إن لم يكن عملياً قد يكون فكرياً. حتى من يردن التكرّس، إذا لم يكن تكرّسنا من كلّ قلبنا، قد نتنكّر ليسوع عند أي صعوبة أو قد نتخلّى عن التكرّس والحياة الديريّة عند أي فرصة. إنطلاقاً من هذا، المقصد الذي علينا اتخاذه جميعاً هو عدم التشكيك في الشريك الزوجي والتشكيك بالإنتماء إلى المسيح من خلال الحياة المكرّسة وأعني بالتشكيك التنكّر، أي نقص بالإنتماء وضعف في الأمانة تجاه الأمر الذي اخترته لنفسي. كان النكران نتيجة التشكيك والضعف قي الأمانة والإنتماء. ما إن نكر بطرس يسوع ثلاث مرّات حتّى صاح الديك. وأهم ما اريد قوله لكم من خلال حديثي يكمن هنا. تمّت نبوءة يسوع وصاح الديك.
في هذه اللحظة بالذات التي اتكلّم بها وأنتم تسمعون أطلب من كل واحد منكم أن يعود إلى ذاته ويرى إلى كم ديك هو بحاجة أن يصيح على ضميره، فإذا كان العدد يكفي فهذا جيّد. صياح الديك لا يعني سوى صياح الضمير ولا شيء آخر. إذا فليعد كلّ واحد منا إلى ذاته في هذا المكان المقدَّس وهذا الحديث المقدِّس ويرى إذا ما كان يعيش الأمانة أم أنّه يتنكّر لأمانته الزوجيّة وانتماءه الرهباني والتزامه المسيحي. وليراجع كل واحد نفسه ويتّخذ احتياطاته لكي لا يسمع صياح الديك وصراخ الضمير لأن الضمير هو باب الله. والقراءة في سفر الضمير تعني ضميراً متّصلاً بالله لا منفصلاً ولا مستتراً إنّما متّصلاً أي ان الله حاضر في حياتي. في كلّ مرّة -لا سمح الله- أقع في الخطيئة أو في نقص الأمانة والحضور الإلهي والمصداقيّة المسيحيّة والإلتزام، وأسمع ديكاً يصيح، فهذا يعني أنّي على الطريق الصحيح. ولكن الويل ثم الويل للإنسان الذي يتّخدّر ضميره فيصبح أطرشاً لا يسمع ديكاً يصيح وأعمى لا يبصر حقيقة. لأنه من أسوأ مسبّبات التشكيك والنكران هو العمى، لا أرى ولا أسمع ولا أفهم. والعمى هو عمى البصيرة. فالرجاء أن يتمّ فحص الضمير الداخلي.
- ثالثاً: "نظرة يسوع".
يسوع نظر إلى بطرس ثلاث مرات ونظرته ثلاثيّة المعاني. وأطلب منكم بكل محبة أن تتصوّروا أنفسكم ويسوع ينظر إليكم لأنّه في حال نظر إليكم هل يا ترى سيصيح الديك؟
أريد القول أنّه على الرغم من نكران بطرس وخطيئته المثلّثة لم ينبذه يسوع ولم يحتقره أو يظلمه أو ينتقده ولم يتخلَّ عن ثقته به وهذا أمر رائع. وإذا كان هنالك من قصد يا إخوتي نتّخذه اليوم فهو أن نحسّن نظراتنا تجاه الآخرين ونتحلّى بعدسات يسوع اللاصقة عندما ننظر إلى الناس. وبالنسبة لخطيئة بطرس فيسوع قد سامحه وعبّر له بنظراته وأعطى لنظراته ثلاث أبعاد.
* النظرة الأولى نظرة تذكير: يسوع بنظرته لم يتفوّه بكلمة وتحوّلت نظرته إلى سهام. لأن نظرات يسوع هي عبور وتعبير. تعبر إلى الشخص وتعبّر للشخص. وما قامت هذه النظرات بتعبيره لبطرس هو التالي: لقد قمتُ بتنبيهك وقلت لك أنّه إذا ابتعدت عنّي ستقع، وإذا عشت بدون تضحية وبدون تنازل وتخلّي وبدون قبول واقعك كما هو فستقع أيضاً. يسوع ذكّر بطرس وعبّر له أنّه فهمه ويريد تذكيره بثلاث سنين مضت ناداه خلالها وأحبّه وميّزه وفضّله وجعله متقدّماً بين الرسل وحوّله من حالة إلى حالة بتغيير إسمه. ذكّره بهذا لأنّه مطلوب من الإنسان أن يسترجع في بعض الأحيان الذكريات القديمة وخاصة الجيّدة لكي يضاعفها وإذا كان هنالك من ذكريات مؤلمة فيحاول طمسها وتخفيفها ويركّز على الذكريات الحسنة. - نظرة تذكير- فليحاول كل واحد إذا سمحتم أن يتذكّر في هذه اللحظة فضائل الربّ في حياتنا وأعمال الرب الحسنة تجاهنا والنعم التي أغدقها علينا ولنحفظ له الجميل دائماً لأنّه دائماً إلى جانبنا.
* النظرة الثانية هي نظرة تفكير. فبطرس من خلال هذه الحالة الموجود فيها، فكّر كيف عليه أن يتصرّف ويكمل حياته، لأن يسوع وعده عند اختياره له بأنّه سيكون ركيزة الكنيسة ومفاتيح المجد كلّها بين يديه. ومن المؤكّد أن بطرس فكّر وعاد لنفسه واختار النظرة الثالثة.
* النظرة الثالثة نظرة تكفير: ندم على شناعة عمله وفكّر بشفاعة معلّمه وأراد متابعة الطريق والدليل على ذلك قول الإنجيلي: "خرج وبكى بكاء مراً". والمعاكس بين بطرس ويوضاس، بطرس نكر ويوضاس خان. والرب دائماً ينظر بنظرات بنّاءة وشفائيّة ولا يمكن لأحد أن ينظر مثله. ولكن عليّ أن أتحلّى بهذه النظرات. من السهل أن أنظر للآخر وأرى سلبيّاته ولكن كيف يمكننا أن ننظر ونرى حسنات الآخر دائماً.
كم يوجد من يوضاس في حياتي وكم يوجد فيّ من يوضاس. يوضاس يرمز إلى الخيانة وهي تفضيل المال والأشخاص والأشياء على يسوع. ولكن رفاق يوضاس الذين كتبوا الأناجيل الأربعة لم يمحوا إسمه من كتاباتهم وهذا أمر رائع. لم يتخلّوا عن رفيقهم الذي ارتكب شناعة فظيعة بل ذكروا اسمه وتركوا له جملة رائعة قالها وهي: "خطئت إذ أسلمت دماً بريئاً". إعترف بخطيئته وندم عليها ويا ليتنا نحن الموجودون هنا ومتوجّهون إلى الذبيحة الإلهيّة نردد: "يا رب لقد خطئت". هنا البطولة والشجاعة أن أقول لنفسي قبل التوجّه إلى كرسي الإعتراف: "لقد خطئت إذ أسلمت دماً بريئاً". أنا أكمل عمليّة يوضاس وبطرس وكل الشخصيّات الموجودة في الإنجيل لأنّي مرتبط بها.
وأنهي كلامي بخلاصة أستمدّها من يسوع، فهو لم ينتقد بطرس ولم يوبّخه أو يحقّره. فنحن عادة إذا طعننا أحدهم في الصميم نلحق به حتى القبر. المطلوب هو إعادة إعطاء الثقة للغير. فيسوع على الرغم من كل شيء أبقى على بطرس مسؤولاً عن الكنيسة.
فلنتمثّل بغيرة مار بطرس ونقول ليسوع: "إلى من نذهب يا رب وعندك كلام الحياة".
أن بولس عندما ظهر له يسوع استفاد منه وذهب إلى ينبوع الماء الحي الذي يتدفّق من قلب يسوع المطعون. ولم يتوقّف هذا الينبوع حتّى بعد 2000 سنة وما زال ينزف دماً وماءً. فماذا حقّق مار بولس ومار شربل والقديسة تيريزيا، وأنا ماذا أحقّق؟. إذا أردنا المسير وإعطاء حيويّة لحياتنا علينا التوجّه نحو هذا القلب، وعندما نشرب من هذا الماء علينا التحوّل إلى ساقية لنروي غيرنا. وهذا ما أنتم عليه. عندما ينتمي أحدنا إلى منظّمة روحيّة، عليه التحول إلى ساقية تروي الآخر من دون أن يشعر، وهذا ما يسمّى بالإشعاع. إذا أردتُ عيش حالة الإشعاع المسيحي عليّ التحوّل إلى ساقية يشرب منها الآخر، يشرب من مسلكيّتي وكلامي ومصداقيّتي. كما عليّ أيضاً أن أتحوّل إلى خبز يؤكل دون أن أكون الفرّان لأنّ الفرّان هو يسوع.
لكي أقوى على الشهادة عليّ التوجّه إلى الينبوع ولا وجود لينبوع سوى يسوع المسيح، وأقول هذا الكلام هنا في عقر دار مار شربل. ففي ديانتنا المسيحيّة كلّها لا وجود سوى لينبوع واحد وكل ما تبقّى هو سواقي. لدينا ينبوع واحد معجزة واحدة مصدر ومرجع واحد وهو يسوع المسيح.
أطلب في النهاية شفاعة كل من قمت بذكرهم لكي نتحوّل إلى سواقي في المسيح نسكب قطرات من ماء ربّنا في يبوسة ويباس الآخرين. نملك فقط سائلَين قدّمهما لنا يسوع المسيح وهما الماء الحي وخمر الفرح نطلبهم بشفاعة مار شربل وجميع القدّيسين وبركة الثالوث الأقدس الآب والإبن والروح القدس آمين.
![]()
التعليم ||| الصفحة الرئيسية