|
رسالة غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الـ 23 لمناسبة الصوم الكبير 2008
والموضوع الذي نريد العودة إليه والتحدث فيه، وإن أردنا معالجته من زاوية قد تختلف بعض الشيء عن معالجتنا اياه سابقا، هو موضوع دقيق وشائك، قد يؤدي إلى تفسيرات وتأويلات مختلفة، إن لم تكن متناقضة وسلبية، وقد يجر إلى اتّهامات لا مبرّر لها. ولكنه موضوع لا بدّ من التطرّق إليه، والأوضاع الراهنة في بلدنا تقضي علينا بالحديث عنه. لذلك وجب توضيح موقف السلطة الكنسيّة إنطلاقا من مصادر تعليم الكنيسة الجامعة، وثوابت تاريخنا الماروني، لذلك رأينا أن نعتمد التصميم التالي، وهو يشمل:
أولا-الكنيسة والسياسة: 1 - في المجمع الفاتيكاني الثاني لقد تطرق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني إلى الشأن السياسي في غير مكان من وثائقه، فتحدث عن طبيعة الجماعة السياسيّة وهدفها، وعن الجهد المبذول لتكوين نظام سياسي يحمي حقوق الشخص البشري في قلب الحياة العامة. واعترف بأن السياسة فن نبيل، إنما صعب يجب أن يستعد ذوو الأهلية، ويقضي بتكاتف الجميع، واحترام الخصوم. وتحدث عن الكنيسة والجماعة السياسية فقال: "بوجوب التمييز بين الأعمال التي يقوم بها المؤمنون أفراداً وجماعات، باسمهم الخاص، كمواطنين مسترشدين بضميرهم المسيحيّ، والأعمال التي يقومون بها باسم الكنيسة، وبالاتحاد مع رعاتهم" … والكنيسة لا ترتبط بأي نظام سياسيّ… والجماعة السياسية والكنيسة مستقلتان، لا ترتبط الواحدة بالأخرى في الحقل الخاص بكل منهما، ويجدر أن يقوم بينهما تعاون لخدمة الجميع. وتستخدم الكنيسة الوسائل الزمنية بقدر ما تقتضيه رسالتها الخاصة. ومن اختصاصها أن تشجع وتقيم في الجماعة البشرية كل حق وخير وجمال."
ويقول المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني: "من الضروري أن يكون هناك قانون وضعي، ينظم توزيع وظائف السلطة وأجهزتها كما يجب، ويحمي الحقوق حماية فعالة، لا ترتبط بأي شخص كان. وذلك لكي يؤدي تعاون المواطنين الواعين إلى نتائج حميدة في الحياة السياسية اليومية." ولكن واجب رجل الدين يقضي عليه بأن يذكر بالمبادىء التي تقوم عليها السياسة القويمة، دون أن ينغمس في أوحالها، ويقع في ما لدى بعض أهلها من اعوجاج. والسيد المسيح عينه ما تغاضى يوما عن التنديد بالذين ينتهجون سياسة مغرضة تكون سببا للعثار والشكوك، فقال: "الويل لمن تأتي على يده الشكوك! خير له أن يطوق في عنقه رحى الحمار، ويطرح في البحر، من أن يشكك واحداً من هؤلاء الصغار". ويشدّد المجمع على النظر "نظرة صحيحة إلى العلاقات بين الجماعة السياسية والكنيسة لا سيما في المجتمعات التعددية. وتحدث المجمع في وثيقته: قرار في مهمة الأساقفة، عن حرية هؤلاء وعلاقاتهم بالسلطات العامة، فقال: "لكي يقوم الأساقفة بمهمتهم الرسولية التي تهدف إلى خلاص النفوس، ينعمون بحرية وباستقلال كاملين وتامين بالنسبة إلى كل سلطة مدنية… أن الأساقفة يهتمون بخير قطيعهم الروحي، فانهم يشتغلون أيضا وبذات الفعل للتقدم والازدهار الاجتماعي والمدني." وشدد المجمع في وثيقته "الحرية الدينية، على علاقة الأساقفة بالسلطات العامة"، فقال: "يجب أن تتمتع الكنيسة بحرية العمل بقدر ما يقتضيه سهرها على خلاص البشر. وإنها لمقدسة تلك الحرية التي أغدقها ابن الله الوحيد على كنيسته التي افتداها بدمه. فالحريّة من خصائص الكنيسة بالذات حتى أن الذين يحاربونها يتصرفون ضدّ إرادة الله. فحرية الكنيسة هي مبدأ أساسي لعلاقتها بالسلطات العامة والنظام المدني كله". وعلى الكنيسة "أن تثبت بما لها من سلطان، مبادىء النظام الأخلاقي النابعة من الطبيعة البشرية. والمسيحيون إذ يسيرون بحكمة نحو مَن هم في الخارج، يجتهدون "في الروح القدس وبمحبة لا مواربة فيها وبكلمة الحق"، في أن ينشروا الحياة بملء الثقة وبالشجاعة الرسولية حتى سفك الدم."
2 - في الارشاد الرسولي: رجاء جديد للبنان وقد أفرد الارشاد الرسولي: "رجاء جديد للبنان"، فصلاً للشأن السياسي جاء فيه: "إن الكنيسة، بحكم مهمتها وصلاحيتها، لا يمكن الدمج بينها وبين الجماعة السياسية بأي حال من الأحوال، ولا ترتبط بأي نظام سياسي، وهي في آن واحد، علامة سموّ الشخص البشري وحصانته." إن رسالتها الأولى هي أن تقود البشر إلى المسيح الفادي والمخلص. فليس لها اذاً أن تلتزم، مباشرة، الحياة السياسية، لأن ليس عندها في الواقع "حلول تقنية"، ولا تقترح أنظمة ولا برامج اقتصادية وسياسيّة، ولا تبدي أيثارا لهذه أو تلك، شرط أن تظل كرامة الإنسان محترمة ومعززة كما يجب، وأن يفسح لها المجال الكافي لتنجز مهمتها في العالم. بيد أن من واجب الكنيسة أن تذكّر بلا ملل بالمبادىء التي وحدها تستطيع أن تؤمن حياة إجتماعية متناسقة، تحت نظر الله. ولأن الكنيسة تعيش في العالم، فان أعضاءها… يشاركون في بعدها الدنيوي، وهذا بطريقة مختلفة. وبالأخص، إن مشاركة المؤمنين العلمانييّن ترتدي أسلوب القيام بعمل ووظيفة، على حد قول المجمع، خاص بهم: وهو ذلك الأسلوب الذي نسميه "الطابع الدنيوي." والكنيسة، ترغب في أن تساعد أولئك الذين يعود إليهم القيام بخدمة عامة، فيؤدوها على أحسن ما يرام، خدمة لأخوتهم… ينبغي أيضا أن نذكر بأن هناك ممارسة مسيحيّة لإدارة الشؤون الزمنيّة، لأن البشرى الإنجيلية تنير جميع الشؤون البشريّة التي هي وسائل معدة، في آن معا، لأن تبنّي الأسرة البشرية، وتقود إلى السعادة الأبدية. ولا يمكن أن يكون للمسيحيين "حياتان متوازيتان: إحداهما، الحياة المسمّاة روحيّة، وهي كذلك بقيمها ومقتضياتها، والأخرى التي يقال لها علمانية"، التي لها قيم مختلفة عن الأولى أو مضادة لها. ومن هنا، ومن أجل "أن يبثوا الروح المسيحيّة في النظام الزمني بالمعنى الذي هو خدمة الشخص والمجتمع، لا يجوز للعلمانييّن المؤمنين قطعيا التخلي عن المشاركة في "السياسة"، أي عن النشاط الإقتصادي، والإجتماعي، والتشريعي، والإداري، والثقافي، المتعدد الأشكال الذي يستهدف تعزيز الخير العام، عضويا عبر المؤسسا." وإنه من المفيد قراءة الفصل بكامله.
3 - المجمع البطريركي الماروني. وتوقف المجمع البطريركي الماروني في الفصل الثالث من النص التاسع عشر عند الشأن السياسي فقال: "حيال التدهور الحاصل في الوضع اللبناني، وانسداد آفاق التقدم نحو الإصلاح الحقيقي، وضعت الكنيسة المارونية مذكرة مفصلة عام 1988 جاء فيها "إن المشكلة السياسية القائمة هي أساس كل المشاكل والأزمات التي نعاني منها. ولذلك يجب قبل كل شيء تحقيق الوفاق الوطني، بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني نصاً وروحاً... ويتحقق هذا الوفاق الوطني، بالاتفاق على قيم مشتركة، هي الحريّة والديمقراطية وسيادة القرار السياسي الداخلي، وصياغته في المؤسسات الدستوريّة، وتجسيد هذه القيم الوطنية على قاعدة العيش المشترك المترجمة بالمشاركة المتوازنة المسيحية الإسلامية في الحكم والادارة. وبتطبيق عدالة شاملة غير مجتزأة وغير مسيّسة. إلى متى يستمر الإستقواء بالخارج داخل السلطة اللبنانيّة، لماذا لا تنظّم العلاقات المميّزة مع سوريا على قاعدة الولاء للبنان ومصلحة البلدين بالمساواة، فاذا لم يتم ذلك كانت العاقبة وخيمة على لبنان وسوريا معا". وأشار المجمع البطريركي الماروني ‘لى بعض مشاكل لا يزال لبنان يعاني منها مثل تلك التي عدّدها النداء الذي أطلقناه في 20 أيلول سنة 2000، وانتفاضة الاستقلال التي جرت على أثر مقتل الرئيس الحريري في 14 شباط سنة 2005، وما يتقاسمه اللبنانيّون مسيحيّون ومسلمون من هموم تتمثل في استكمال بناء الدولة المدنية الحديثة، وإعادة بناء علاقات طبيعيّة مع سورية على قاعدة التكافؤ، والمساواة، والمصالح المشتركة، عبر مراجعة شجاعة لتجربة الماضي، على أن كلفة التفاهم تبقى أقل من كلفة النزاع.
ثانيا- الكنيسة والسياسة 1 - ممارسة الباباوات إن الباباوات غالبا ما تطرقوا إلى الشأن الوطني والسياسي بالمعنى الذي أشار إليه المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، فنادوا بالعدالة والحرية واحترام حقوق الإنسان. ولا تزال أصداء خطب البابا يوحنا بولس الثاني تتردد في المحافل الدولية، وخاصة في قاعة الأمم المتحدة. وقد تكلم عن وضع بلده بولونيا، فدافع عن قيمها خير دفاع، وعن لبنان الذي ذكر بما فيه من قيم، وعن فلسطين التي احتضنت أرضها السيد المسيح يوم مولده، وعن العراق الذي طالما ندد بما يجري فيه من ممارسات تنتهك حقوق الانسان، وعن كل بلد يعاني من عسف وظلم. وهذه هي رسائله في مطلع كل سنة تستعرض الوضع العالمي، وتشير إلى موطن الخلل والخطر، وتندد بالذين يتاجرون بالسلاح بعبارات قاسية، ويشعلون نار الحروب، فقال في خطاب له شهير أمام الأمم المتحدة: "حذار العودة إلى الحرب". وقال في احدى رسائله في مناسبة يوم السلام في مطلع سنة 1994 التي تحدث فيها عن أن سلام العائلة البشرية يولد من العائلة، فقال في مستهلها: "العالم يتوق إلى السلام، العالم هو في أمس الحاجة إلى السلام. ومع ذلك تنتشر الحروب، والنزاعات، والعنف، وحالات عدم الاستقرار الاجتماعي، والفقر المدقع، كل هذا لا يزال يحصد الضحايا البريئة، ويثير الإنقسامات بين الأفراد والشعوب". ويبدو أحيانا أن السلام هش، ولا سلام دون عدالة. وللأحبار الأعظمين في القرن الماضي مواقف عديدة في جانب الشأن الوطني وبخاصة في جانب السلام، ولا مجال إلى تعدادها. وقد تركوا رسائل قيمة في الدعوة إلى إحلال السلام في القلوب والربوع، ولا نذكر سوى رسالة البابا يوحنا الثالث والعشرين "السلام على الأرض" الصادرة في 11-4-1963 ورسالة البابا بولس السادس: "تقدم الشعوب" الصادرة في 26-3-1967. ولا تزال الكنيسة تقوم بدورها في نشر السلام والتذكير بأن الشأن السياسي ليس تكاذبا ومهارة، بل جهدًا ومثابرة في سبيل تحقيق الخير العام للشعب في جميع البلدان. وغالبا ما تحدث البابا بنديكتوس السادس عشر عن هذا الأمر في غير مناسبة سائلا الله أن يلهم ساسة الشعوب العمل على خيرها وازدهارها. ومما قاله عن لبنان في 16 تموز من سنة 2006 في صلاة التبشير الملائكي ما يلي: "اننا نشدد تشديدًا ثابتًا، بالنسبة إلى جميع الأفرقاء، على ضرورة حماية المدنيين اللبنانيين، والاسرائيليين، والفلسطينيين، وفقا للحق الدولي. ونطلب وضع حد لأعمال العنف، ونشجبها، بما فيها تدمير الطرق، والجسور، وساحات المطارات، وحصار لبنان البحري".
2 - مواقف المجالس الأسقفية في العالم والكنيسة المنتشرة في العالم كله، أعربت في مجالسها الأسقفية غير مرة عن موقفها من السلام والحرب. وقد أعلن مجلس الأساقفة في الولايات المتحدة عن موقفه من حرب العراق بشجبه العنف والارهاب، ومناداته بحقوق الانسان، والحرية الدينية، ومساعدة اللاجئين، فقال: "ان مجلسنا يدعو الولايات المتحدة لحماية اللاجئين، وطالبي اللجوء، بمن فيهم المسيحيون والأشخاص المتحدرون من أقليات تهرب من العراق". ودعا مجلس أساقفة فرنسا الى استقبال اللاجئين، فقال: "بالنسبة إلى المسيحيين، إنّ استقبال النازحين، هو علامة للأهمية المعلقة على الأخوة… في الكنيسة ليس هناك غرباء: العماد يكسب الإنسان، حيثما كان، المواطنية المسيحية، والإنجيل يدعونا إلى أخوّة شاملة. وهناك جماعات كثيرة تهتم بأن تتقاسم وسواها مالها، ونحن شهود". ولفت مجلس اساقفة كندا أنظار الشعب الكندي وحكومته إلى وضع المهاجرين اليهم، ودعا الى وجوب استقبالهم بقوله: "المأساة الانسانية الأكثر انتشارا لدى النازحين الى كندا، انما هي الفقر المتنامي لدى الواصلين حديثا… وهذا الوضع يتسبب به اضطراب سوق العمل، خاصة في الأوساط المدنية الكبرى حيث يميل النازحون الى الاستقرار. والمشكلة قائمة، ولو تعلموا أكثر فأكثر، وربما كانوا أكثر علما من الشعب الذي يستقبلهم. وهذا الوضع مقلق بالنسبة إلى صحة المجموعات الكندية، ويدعونا الى الاهتمام".
3 - خبرة البطريركية السياسية الطويلة لا شك في أن للبطريركية المارونية خبرة طويلة في الشأن السياسي العملي. وهذا ما حاول التشديد عليه كل الذين اهتموا بتاريخ لبنان. وكانت البطريركية المارونية حاضرة في كل المفاصل التاريخية اللبنانية. فالبطريرك الياس الحويك هو الذي طالب باستقلال لبنان، فنشأت الدولة سنة 1920، "ولم يكن لبنان ممكنا وواردا بحدوده الطبيعية الحالية، لولا صوت الكنيسة المارونية. وقد التحق بهذا الصوت عدد كبير من أبناء الطوائف الاسلامية والدرزية الذين شاركوا أيضا في الوفود اللبنانية الثلاثة التي قادها المسيحيون وعلى رأسهم البطريرك الحويك الى مؤتمر السلام في فرساي في سنة 1919". وقد أبان الكاتب أن المواطنية يجب أن تقوم على الحرية والمساواة بين الأفراد والجماعات، بحيث يشعر الفرد والجماعة بأن دورهما محفوظ وفاعل في المجتمع الديمقراطي الذي نعيش فيه. وأبان أن العلمنة، أي فصل الدين عن الدولة لا يصح كليا على الحالة اللبنانية. فالكنيسة، ومثلها سائر الطوائف، لم تكن في صراع مع الدولة. بل ان جوهر المشكلة عندنا هو صراع الطوائف الدينية المستمر على السلطة والنفوذ. والطوائف في هذا الصراع لم تكن كتلا دينية، بل كتلا اجتماعية سياسية." ولا نريد أن نتوقف طويلا عندما أملى علينا الواجب أن ننشره من نداءات وبيانات ونلقيه من عظات وتوجيهات في الشأن الوطني، منفردين، أو بالاشتراك مع أصحاب السيادة المطارنة الموارنة. وهذا ما رأيناه واجبا علينا، وسنظل ننادي به ما استطعنا الى ذلك سبيلا.
ثالثا: مواقف الكنيسة المارونية 1 - في الثلاثين سنة الماضية لا نريد أن نتحدث عما يختزن تاريخ الكنيسة المارونية من عبر وأمثولات، لكننا نكتفي باستقراء بعض ما عشناه في هذا الثلث الأخير من القرن الفائت، واطلالة القرن الحاضر. وقد تعاقب على كنيستنا المارونية بطاركة مجاهدون نال كل منهم قسطه مما كتب الله له من صعوبات ومحن. وقد بدأ المسلسل مع اتخاذ الدول الكبرى القرار بتوطين اليهود في فلسطسن. وكانت الاضطرابات في فلسطين عينها، وكانت الحروب المتتالية بين الدول العربية واسرائيل في العقد السادس من القرن الفائت، وما تلاه من سنوات. وكان لكل ذلك تداعياته التي انعكست وبالا على لبنان، حتى كانت الحرب التي شنتها اسرائيل عليه صيف سنة 2006، فضربت فيه المرافق الحية، وطرق المواصلات، والجسور، وشردت الكثير من سكان القرى والبلدات. وجاءت ردة الفعل من حزب الله في السنة الفائتة، فكان لها أثرها على بنية الدولة التي لم تتمكن بعد من القيام من كبوتها. وقد شهدنا ما عاناه سلفنا السابق المثلث الرحمة البطريرك مار انطونيوس خريش، يوم جاءه من جاءه من أبنائه من يتهمونه علنا بأنه فلسطيني، وتصرفوا تجاهه تصرفا غير لائق، وهذا أقل ما يقال في هذا التصرف. وكنا إلى جانب المثلث الرحمة البطريرك بولس المعوشي، يوم أم الصرح البطريركي قوم من أبنائه يحتجون على ما كان يتخذ من مواقف أملتها عليه الظروف والأحداث التي كانت تتوالى على مسرح السياسة اللبنانية. وقد أصابنا بدورنا ما أصاب من قبلنا من البطاركة الموارنة مرتين في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، وبالأمس القريب، ولا حاجة الى التذكير بأن البطريرك الماروني لم يعط فقط مجد لبنان، بل يعطى أيضا، بين الحين والحين، بؤس لبنان. والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
2- تبيان الحقيقة ان كل ما تعاقب على لبنان من أحداث مرده إلى أخطاء كثيرة ارتكبت، ولم يعمد أحد الى اجتناب الوقوع فيها من المسؤولين. وراح كل وجيه ماروني أو من هو على قسط من العلم والمال يسعى إلى اقتعاد مقعد الرئاسة، اعتقادا منه أن ذلك سبيل الى المزيد من السلطة والاثراء، وليس سبيلا إلى الخدمة والتضحية والكفر بالذات. ولا نريد أن نتوقف عند ما يشاع في هذه الايام من أفكار لم يألفها الشعب الماروني، على وجه الخصوص، والشعب اللبناني، على وجه العموم. "وسادة القوم خدامهم وليسوا المسلطين عليهم، الذين، على ما يقول السيد المسيح، يحملون الناس أحمالا ثقيلة، ولا يريدون أن يمسوها باحدى أصابعهم". ومعلوم أن مرتكزات العمل السياسي هي روح الخدمة المقرونة بالكفاءة، والشهادة للقيم الانسانية والانجيلية، كالحرية والعدالة، والتضامن، والتفاني الصادق، والعمل بروح الديمقراطية السليمة، والالتزام بقضية السلام، وخيار الحوار والتعاون بعيدا عن الاحادية والتسلط.
3 - خطورة الوضع الراهن 1- وطنيا لا حاجة إلى تبيان ما أصبحنا فيه من فراغ. وقد باتت المؤسسات الدستورية والوطنية مشلولة. فرئاسة الجمهورية خلت من شاغلها، ولم ينتخب من سيكون بديلا عنه، وهذه ثاني مرة يحدث ما حدث في تاريخ الجمهورية اللبنانية منذ قيامها سنة 1920 والمجلس النيابي لم يجتمع منذ ما فوق السنة، وهذا أمر مستغرب، مستهجن، والحكومة استقال عدد من أعضائها، وفي الوقت عينه يصرفون فقط ما يطيب لهم من معاملات، والجيش اللبناني الذي أظهر تماسكا كبيرا خاصة في حرب نهر البارد، اغتيل لأول مرة ضابط كبير من ضباطه، والتهديد يلاحق بعض السفارات في لبنان، وهذا نذير سوء يذكر بسنوات مضت هجر فيها السفراء لبنان. وهناك مؤسسات أصبحت شاغرة، وليس من يأبه لها كالمجلس الدستوري، وما سواه. أما الانقسامات السياسية التي تنعكس على القواعد الأدبية والأخلاق، فهي مدعاة أسف كبير. فالمجلس النيابي منقسم الى أكثرية وأقلية، وكل فريق يحاول أن يبرهن أنه محق، هذا اذا كان لا يدعي احتكار الحقيقة، في ما يفعل. وهذا الوضع انعكس على الحياة السياسية بمجملها، لا بل على حياة المواطنين اليومية. وقد حمل العديد من اللبنانيين على الهجرة القريبة والبعيدة، وهذا افقار للبلد لحرمانه سواعد أبنائه المنتجة، وأدمغتهم الخلاقة. وأصبح الكثير من أهل السياسة يبحثون، ليس على ما ينفع وطنهم، بل على ما ينفعهم شخصيا، ومن بينهم من التحق سياسيا بغير لبنان، وغيره التحق بذاك البلد، كأن بلدهم لبنان قد أصبح لديهم مطية يتوسلونها لتحقيق رغبات هذا أو ذاك من البلدان، على أن يبوئهم البلد الذي تطوعوا لخدمته المركز الذي يتوقون الى ملئه في بلدهم. ومعلوم أن للسياسة قواعدها وضوابطها، وأخلاقيتها. ورحم الله أمير الشعراء القائل: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا والتاريخ مليء بالأمثلة والعبر، لمن يريد أن يتعلم ويعتبر.
2- كنسيا يبدو ان الأزمة التي يعيشها اللبنانيون قد فعلت فعلها بهم، وكادت أن تفقدهم المقاييس المألوفة والمعايير المتبعة. لذلك ان الكثيرين من بينهم أعمتهم المصالح الخاصة، وانقادوا الى رغائبهم وارضاء شهواتهم، دونما نظر إلى ما سيكون أثر تصرفهم الأناني على سواهم من أبناء مجتمعهم. فاذا بالخطاب، خاصة السياسي منه، قد انحدر كثيرا، وأصبحت الشتيمة أمرا مألوفا، ومقبولا، وتبادل التهم بكلام ناب، لا يثير حفيظة. وهذه أبرز معالم الإنحطاط في كل المجتمعات المتخلفة. ولم يخش بعضهم الله في أي من هذا الكلام المقذع، وما يتسبب به من قطيعة، وربما أكثر من قطيعة. وانساق الكثيرون من أبناء الكنيسة وراء هذا التيار الجامح، ولم يتورعوا عن توجيه سهام نقدهم لكنيستهم التي تعمل ما بوسعها لمرافقتهم في حياتهم اليومية. وهذا جنوح يجب لجمه، والعودة عنه، لسلوك طريق الحكمة والاحترام. أفما قال بولس الرسول: "ليكن فيكم من الأفكار ما هو في المسيح يسوع. فهو، مع كونه في صورة الله، لم يحسب مساواته الله غنيمة، بل أخلى ذاته، متخذا صورة العبد، صائرا في شبه البشر. ولما ظهر في هيئة إنسان واضع نفسه مطيعا حتى الموت، الموت على الصليب، فلذلك رفعه الله جدًا، ووهبه الاسم الذي يعلو كلّ اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة، في السماء، وعلى الأرض، وتحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب لمجد الله الآب".
رابعا: ثوابت الكنيسة المارونية 1 - الحفاظ على الحرية. إن الكنيسة المارونية لها ثوابتها، وهي ثوابت الكنيسة الكاثوليكية في كل مكان وزمان. ومن هذه الثوابت الايمان بالله، الذي هو سيد الكائنات، وديان الأحياء والأموات. والدفاع عن كرامة الانسان "المخلوق على صورة الله"، على ما جاء في مستهل الكتاب المقدس، والمحافظة على حقوق هذا الإنسان، وسيادة الوطن. وهذا ما شددت عليه الكنيسة في تعليمها، ومسلكها، وعلمته أبناءها. وفي رأس القيم التي تحافظ عليها الكنيسة الحرية، وبخاصة الحرية الدينية. وإذا فقد الإنسان حريته فقد ما له من قيمة حقيقية. وهذا ما شدد عليه المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني بقوله: "تقوم هذه الحرية على أن يصان الناس أجمعون من كل ضغط، سواء أكان من قبل أفراد أم من قبل فئات اجتماعية، أو من قبل أي سلطة بشرية، فلا يرغم إنسان على أن يتصرف ضد ضميره في الشؤون الدينية، ولا يمنع من أن يعمل حسب ضميره ضمن الحدود المعقولة، سرًا أو علانية، منفردا أو مشتركا مع آخرين". ونحمد الله على أن لبنان لا يزال ينعم بقدر من الحرية قد لا نجد له مثيلا في محيطه. ولكننا غالبا ما حولنا الحرية فوضى، وهذه هي والحرية على طرفي نقيض.
2 - والإيمان ان الإيمان هو أثمن ما حافظ عليه آباؤنا وأجدادنا، وتركوه لنا ارثا لنا ولأولادنا وأحفادنا. ويعلم الله كم قاسوا في هذا الجبل من مشقات واضطهادات ليحافظوا على هذه الوديعة، التي أشار إليها بولس الرسول بقوله لتلميذه تيموتاوس: "احفظ الوديعة، وتجنب الكلام الفارغ والتافه، والتناقضات الناتجة عن معرفة كاذبة". وعلى الرغم من كل المعوقات، ظلوا على صلة وثقى بكرسي بطرس الروماني، واتبعوا التوجيهات التي كانت ترد عليهم منه، حتى تمكنوا من اقامة المدرسة المارونية في عاصمة الكثلكة روما منذ أواسط القرن السادس عشر، وبرز من بين تلامذتها عدد كبير مارسوا التعليم في جامعات أوروبا، وأصبح غيرهم مطارنة وبطاركة تولوا قيادة الكنيسة المارونية في ظروف بالغة الصعوبة. وهذه كانت خير وسيلة للمحافظة على الإيمان القويم، وترسيخه في نفوس الأجيال الطالعة.
3 - الدفاع عن كرامة الانسان إن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني يعلم أن الإنسان، أيّا يكن، له كرامة تأتيه من كونه مخلوقا على صورة الله ومثاله، وهو، على ما يقول المجمع عينه، "قادر أن يعرف، ويحب خالقه الذي أقامه سيدا على كل المخلوقات الأرضية ليتسلط عليها ويستخدمها ممجدا الله"… وهو يكتشف في أعماق ضميره وجود شريعة لم يسنها لنفسه، ولكن عليه أن يخضع لها. ان هذا الصوت، الذي لا ينفك يحرجه ليعمل الخير ويتجنب الشر يدوي في الوقت المناسب في حميم قلبه:”اصنع هذا وتجنب ذلك".
4 - وحقوقه والمجمع عينه يعلم أيضا أن للإنسان حقوقا لا يمكن تجاهلها أو إنكارها. وقد أعلنها المجمع بقوله انه: "ما من شريعة إنسانية تستطيع أن تحافظ على كرامة شخصية الإنسان وحريته، مثلما يحافظ عليهما إنجيل المسيح، الذي سلم إلى الكنيسة. فهذا الإنجيل يبشر بحرية أبناء الله، ويعلنها، ويرفض كل استعباد، لأن الاستعباد، بعد البحث والتدقيق، يأتي من الخطيئة. ويحترم هذا الإنجيل احتراما دقيقا، كرامة الضمير والاختيار الحر، ويعلم باستمرار استثمار كل المؤهلات البشرية، لخدمة الله، وخير الناس، مستودعا كل فرد محبة الآخرين، ويتفق كل هذا وشريعة التدبير المسيحي الأساسية".
5 - وسيادة الوطن إن الإنسان من طبعه تواق إلى الحرية، والاستقلال بقراراته، وتسيير أموره بذاته، وهذه النزعة تمتد الى الشعب بكامله، وهو مكون من أفراد يبنون عيشا مشتركا، ويتقاسمون مصيرا واحدا، ويتطلعون الى مستقبل واحد، وينطقون عادة بلغة واحدة، بعد أن يكونوا قد عاشوا على أرض واحدة، فنشأت بينهم شراكة، وتطلعات، وآمال، فحققوا إنجازات، وجمعهم تاريخ مشترك. وهكذا تنشأ لهم سيادة على أرض توطنوها وعاشوا من نتاج أرضها، ومارسوا سلطتهم عليها، فأصبحت وطنا لهم ضم ترابه رفات آبائهم وأجدادهم، وذادوا عنها، وسقوها بعض دمائهم، واحتضنتهم يوم غادروا هذه الفانية. والسيادة تعني ممارسة شعب سلطته على أرضه، دونما شريك أو رقيب. وهذه نزعة فطرية لدى الانسان، لكنها ازدادت رهافة في هذه السنوات الأخيرة التي استيقظ فيها الناس على المحافظة على كرامتهم، ومنع سواهم من جيرانهم، أو غيرهم، من التدخل في شؤونهم الوطنية. وهذا أمر مشروع، وكما أن الانسان المخلوق على صورة الله، هو سيد نفسه، ومسؤول أمام الله والناس، عن أقواله وأعماله وتصرفاته، هكذا القول عن الأوطان. وكل وطن يمارس شعبه سلطته على أرضه، وهو لا يقبل شراكة من أحد، وهذا ترتيب الله في خلقه، وما توافقت عليه الشعوب في أوطانها.
خامسا: المشاركة في انشاء وطن لجميع أبنائه 1 - الوطن لجميع أبنائه شأن الوطن شأن العائلة. كل ما تملكه إنما هو شراكة بين جميع أعضائها. واذا اختلف الأمر عن ذلك، دخل الشك أفرادها، وفرقتهم الغيرة والحسد والمصالح الخاصة. ولا يقوم الوطن على أساس ديني بحت بحيث أن أتباع دين واحد يعيشون معاً دونما سواهم من الذين يدينون بدين آخر. والناس اليوم أصبحوا متداخلين، ولم يعد هناك عرق صاف أو فريق من الناس يتميز عن غيره بسلامة عرقه أو أصوله الانسانية. لهذا يستحيل أن يقوم وطن على أساس ديني صرف. ولهذا يعتبر لبنان رسالة على ما وصفه به المثلث الرحمة البابا يوحنا بولس الثاني بقوله: "لبنان اكثر من وطن. انه رسالة للشرق والغرب". وهو رسالة تعايش بين أناس من أتباع ديانات ومذاهب مختلفة تصهرهم بوتقة واحدة هي بوتقة الوطن.
2 - والكنيسة لجميع أبنائها ومواطنيها ومن واجب الكنيسة أن تكون على مثال مؤسسها السيد المسيح الذي قال: "ان ابن الانسان لم يأت ليخدم، بل ليخدم". وهي لا تميز بين أبنائها، وأفضلهم عندها أتقاهم، وأسرعهم الى تلبية نداء العدالة، والمحبة، ونجدة الضعيف والبائس والمتعثر. وعلى أبناء الكنيسة بدورهم أن يكونوا دعاة عدالة ومحبة وسلام. وما كانت الكنيسة يوما لتحابي القوي والمتسلط، أو لتراعي جانب أرباب الدهاء وتزيين الأمور زينة مصطنعة. فهي تقول الحق على مثال معلمها، وان أغضبت بعض الناس، أو أثارت حمية بعضهم الآخر. وعلينا أن نشهد للحق على مثال السيد المسيح الذي قال: "إني لهذا ولدت، ولهذا أتيت الى العالم، لكي أشهد للحق، فكل من هو من الحق، يسمع صوتي". ومن واجب الكنيسة على مثال العديد من شهدائها وقديسيها الذين آثروا التضحية بحياتهم، على أن يزيفوا الحقيقة، ويشهدوا بالزور، وينطقوا بالبهتان. وهذا لن يتم إلا إذا كان الإنسان على استعداد تام لتحمل مسؤولياته دونما خوف أو وجل، على ما ورد في "رجاء جديد للبنان": "ويحسن أن يتوفر للشباب منذ حداثتهم في مختلف المؤسسات التربوية، تربية مناسبة، تجعلهم يدركون مسؤولياتهم بوصفهم مواطنين، وترفع شأن الحقيقة والحرية والعدالة والمحبة، أسس السلام والأخوة الاجتماعية".
3 - مسؤولية العلمانيين المؤمنين ليست الكنيسة مؤلفة من رجال دين من رهبان وراهبات وكهنة ومطارنة. الكنيسة هي جماعة مؤمنين يشدهم إلى السيد المسيح إيمان به متين، ومحبة تضحي بكل شيء في الدنيا لتظفر برضاه وتشاركه في سعادته في الآخرة. وعلى العلمانيين واجب كبير في نشر إنجيل المسيح وتعاليمه. وتحدث المثلث الرحمة البابا يوحنا بولس الثاني عن رسالة العلمانيين في ارشاده الرسولي عن الكنيسة في أوقيانيا، فقال: "إن الشباب الكاثوليك مدعوون إلى اتباع يسوع، ليس فقط لاحقا، عندما يصبحون بالغين، بل منذ الآن كتلامذة ناشئين. ليت جمال وجه المسيح الذي لا يقاوم يجذبهم دائما! ليت تحدي مثل الإنجيل العليا تحفزهم! حينذاك يلبسون القوة ليأخذوا قسطهم الحيّ في الرسالة التي تدعوهم إليها الكنيسة، وليقوموا بدورهم بفرح ونشاط في حياة الكنيسة على كل المستويات: الشاملة، والوطنية، والابرشية والمحلية. في أيامنا "يعيش الشباب في ثقافة خاصة بهم. فمن الجوهري أن يدرس المسؤولون في الكنيسة ثقافة الشبان ولغتهم، وأن يستقبلوهم وأن يضعوا موضع العمل عناصر هذه الثقافة الايجابية في حياة الكنيسة ورسالتها". وما من أحد بامكانه أن يقوم مقام العلمانيين في الكنيسة"41.
الخاتمة في مجمل بلدان العالم، حيثما انفسح المجال للكنيسة، فهي قامت وتقوم بما عليها من واجب أملاه عليها مؤسسها السيد المسيح. وهي ما فتئت منذ مولدها من قلب السيد المسيح المطعون بالحربة، ونشأتها في فلسطين الجريحة، وانتشارها في العالم أجمع، تقوم بالرسالة التي أوكلها اليها معلمها الإلهي. وقد انتشر أبناؤها على صدر المعمور، وهم بمثلهم الصالح، وتعليمهم الواضح، وعملهم الدائب، يعملون ما بوسعهم، وعلى قدر ما يؤتيهم الله من عزم وقوة وحكمة، على نشر روح الإنجيل، وما يختزنه من درر معرفة. ولئن كانت الكنيسة في هذه الأيام تلقى النقد والتجريح ممن يفترض فيهم أن يمارسوا تعاليمها وينشروه، فهي سائرة في الطريق التي رسمها لها مؤسسها الألهي، السيد المسيح، وهي تعرف حق المعرفة أنها لن تلقى في العالم غير المصير الذي لقيه مؤسسها. وهو من قال: "ليس تلميذ أفضل من معلمه، بل كل تلميذ اكتمل علمه، يصير مثل معلمه". والكنيسة في لبنان تعرف أن رسالتها هي العمل لخير الأنسان الروحي والمادي. وهي لا تهمها الشؤون السياسية الا بقدر ما تحسن أو تسيء إلى المجتمع البشري وأفراده. وتعاطيها السياسة يبقى على صعيد المبادىء والتوجيه العام. وهو مقصور على الشأن الوطني. وهو لا ولن يلهيها عن دورها الروحي والإنساني. وهذا ما قامت وتقوم به على قدر ما بين يديها من وسائل يوفرها لها أبناؤها وكل الذين يهمهم الخير العام، والسلام على الأرض. وإنّا، اذ نتوجه إليكم، أيها الأبناء الأعزاء بهذه الرسالة، على جاري عادتنا في مطلع هذا الصوم الذي نرجوه لكم فسحة تأمل وصلاة، وخلوة مع الله والضمير، نستمطر عليكم جميعا، مقيمين ومغتربين، وافر النعم والبركات، وعلى وطننا الحبيب لبنان العودة إلى الطمأنينة والازدهار والسلام بين جميع فئات أبنائه والمقيمين على أرضه".
التفسيح من الصوم والقطاعة من المعلوم ان الصوم يقوم بالامتناع عن الاكل والشرب من نصف الليل إلى الظهر، عدا الماء الذي لا يفسح الصوم، وإن القطاعة تقوم بالامتناع عن اكل اللحم والبياض. ولكننا نظرا إلى انه ليس بامكان البعض من ابنائنا أن يجدوا الطعام المنوع الذي يحتاجون اليه، وهذا ما يضطرهم الى الاكتفاء بما في متناولهم، نفسح من هاتين الشريعتين من صوم 2008 الى صوم 2009 كما يلي: 1- نسمح بأكل البياض في هذه المدة. 2- يجب الصوم والانقطاع عن اكل اللحم في يوم اثنين الرماد ويوم الجمعة من اسبوع الآلام. 3- يجب الانقطاع عن اكل اللحم يوم الجمعة على مدار السنة، غير انه يمكن اكل اللحم يوم الجمعة اذا وقعت فيه الاعياد الواجبة بطالتها، وهي: أ- الميلاد، رأس السنة، الغطاس، مار مارون، مار يوسف، مار بطرس وبولس، انتقال العذراء، ارتفاع الصليب، جميع القديسين، الحبل بلا دنس وعيد شفيع الرعية. ب- في الفترة الواقعة بين عيدي الميلاد والغطاس. ج- في الفترة الواقعة بين عيدي الفصح والعنصرة. د- في اسبوع المرفع. لقاء التمتع بهذا التفسيح، نحض أولادنا الأعزاء على ان يعنوا بالأمور الروحية ويتمموا الواجبات الدينية ويمارسوا أعمال التقشف والاماتة والمحبة ولا سيما تجاه المحتاجين والمرضى وأن يخصص القادرون منهم نفقة يوم في الاسبوع طوال هذا الصوم لمساعدة اخوانهم المعوزين يدفعون بدلها لصندوق المساعدات في ابرشيتهم، ليكون صومهم مشاركة محسوسة في التقشف والآلام، وأن يصلوا على نية الحبر الاعظم لاجل إحلال السلام في ربوعنا وفي العالم اجمع، من اجل تطبيق ما جاء في الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان"، وارتداد الخطأة إلى التوبة وانتصار أمنا الكنيسة المقدسة وتحقيق وحدتها، ومن أجل نجاح تطبيق تعليم مجمعنا وهذا خير ما يقومون به بدلا من الصوم والقطاعة. |