عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

 

رسالة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لمناسبة الصوم (صوم 2007)

في محبة الوطن

إلى جميع إخواننا المطارنة، وجميع أبناء كنيستنا، إكليروسا وعلمانيين،

أيها الأخوة والأبناء الأعزّاء،

السلام والبركة الرسولية،

 

يطيب لنا أن نتوجّه اليكم بهذه الرسالة التقليدية، في مطلع هذا الصوم المبارك، وهو الزمن المقبول الذي يرضى فيه الله صوم المؤمنين وصلاتهم واحساناتهم أكثر من أي وقت آخر، لأنهم يقبلون عليه تعالى عادة بقلوب خاشعة، ونفوس طيّبة، وإرادة تسعى إلى العمل بارادته تعالى، وتُصغي إلى إيحاءاته وتوجيهاته. والصوم يساعد على إفراغ النفس من ذاتها لتمتلئ من تعاليم الله لتضعها موضع العمل. وقد امتدح القديس يوحنا فم الذهب الصوم بأسلوب فيه الكثير من الشعر والموضوعيّة، بقوله عنه إنه ربيع النفوس". وشرح السبب في ذلك فقال: "الربيع كله سحر بالنسبة إلى البحّارة والمزارعين. ولكن لا البحّارة ولا المزارعون يجدون من السحر في الربيع قدر ما يجد الذين يريدون أن يكونوا حكماء. في زمن الصوم، وهو ربيع النفوس الروحي، تنعم فيه الروح التي تتأمّل بطمأنينة صحيحة".

"الربيع يسحر المزارعين لأنهم يرون آنذاك الأزهار تكلّل الأرض، والأثواب الملوّنة التي تخلعها عليها النباتات التي تكبر. والربيع يسحر البحّارة، وهم يطوفون البحار دونما خوف، عندما الأمواج تهدأ والحيتان تقفز، وهي تقوم بألعابها الهادئة، إلى جانب المركب". ويترك هذه الصورة ليقول: "بالنسبة إلينا، ربيع الصوم يسحرنا لأنه يهدّئ الأمواج، لا الأمواج السائلة، بل أمواج الأهواء المزمجرة، ولأنه يضفر لنا، لا أكاليل أزهار، بل أكاليل نعَم روحية"(1). هكذا كان القدّيسون يرَون زمن الصوم ويرحّبون به أجمل ترحيب.

وإننا نعيش أياما نعرف أن الكثيرين من اللبنانيين قد اشتدّت فيها عليهم الضائقة، بحيث بات يتعّذر عليهم تأمين معاشهم اليومي. وإذا كان زمن الصوم هو زمن التقشّف وأخذ النفس بالشدّة، فهو أيضا زمن الإحسان، والمسارعة إلى نجدة الفقير. ومقاسمته الخبز اليوميّ، على ما جاء في الكتاب المقدّس في معرض كلامه عن الصدّيق، وقد وصفه بقوله إنه هو ذاك: "الذي لم يعسف أحدا، وردّ على المديون رهنه، ولم يختلس خلسة، وأعطى خبزه للجائع، وكسا العريان ثوبا، ولم يعطِ بالربى ولم يأخذ ربحا، وكفّ يده عن الإثم، وأجرى قضاء الحق بين الإنسان والإنسان، وسلك في رسومي، وحفظ أحكامي، عاملا بالحقّ، فبما أنه صدّيق يحيا حياة، يقول السيد الرب"(2) ونظرا إلى ما يحدث عندنا من اضطرابات، منذ ما يقارب الشهرين، وقد شلّت الحركة الاقتصادية، وتسببّت ببلبلة كبيرة في الحياة الاجتماعية، وأدخلت على مجتمعنا عادات دخيلة عليه، لذلك رأينا أن نحدّثكم هذه السنة عن موضوع لعلّنا في أمسّ الحاجة إلى  تفهّمه على وجهه الصحيح، والإحاطة به من كلّ وجوهه، واكتناهه حق الاكتناه، والعمل بمقتضاه، لنخرج من هذه الدوّامة التي تدور بنا دون أن تتوقّف على أمر راهن، وتستقرّ على ما يريح منا النفوس، ويعيد إليها بعض الطمأنينة، وهي بأمسّ الحاجة إليها.

وموضوع حديثنا هذه السنة: "محبة الوطن"، وما تفرضه من واجبات وتضحيات، ومساواة بين أبناء الوطن الواحد، وما توجبه من تقيّد بالقوانين، وعمل جادّ في سبيل إعلاء شأن هذا الوطن. وسنعود في ذلك إلى ما جاء في تعليم الكنيسة والآباء والمجامع وخاصة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، والمجمع الماروني. وخير تعبير عن محبة الوطن ما ورد على لسان أحد رؤساء الدول الكبرى بقوله: "أنظر ما بامكانك أن تعطي وطنك، وليس ما بأمكانك أن تأخذ منه".

هذا ونسأل الله، أن يلهمنا سواء السبيل لنعرف كيف نصون وطننا لنستحق وطنا فريدا بين الأوطان.

 

ما هو الوطن ؟

ونتساءل ما هو الوطن؟ انه، على ما ورد في أحد المعاجم، جماعة أفراد سياسية يعيشون على أرض واحدة، ويشدّهم شعور بالإنتماء إليها وإلى مجموعة واحدة خاصة ثقافيا ولغويا. والوطن هو المكان الذي تسكنه هذه المجموعة، والذي يعود إليه هؤلاء الأشخاص. ويربط أبناء هذا الوطن إليه أرضه، وسماؤه، وجباله وأوديته وسهوله، وبحاره فضلا عن تاريخه، وثقافته ولغته، وكلّ ما يمتّ إليه بصلة.

وقد ذكر المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في وثيقته "دستور راعوي" "الكنيسة في عالم اليوم" كيف يجب أن تكون محبة الوطن، فقال: "ليحافظ المواطنون على حبّ الوطن. وليكن حبهم شهما، بعيد المدى، لا مواربة فيه. وهذا يعني أن يعتبروا دائما ودونما تمييز خير العيلة البشرية كلها، التي تضمّ أجناسا وشعوبا وأمما تربط بينها روابط متنوّعة."

ويضيف: "وعلى المسيحيين جميعا أن يعوا الدور الخاص والمميّز، الذي يصيبهم في الجماعة السياسية. فمن واجبهم أن يعطوا المثل اذ ينمّون في نفوسهم معنى المسؤوليات والاندفاع في سبيل الخير العام. فيبرهنون بأعمالهم هذه، كيف يمكن التوفيق بين الحريّة والسلطة، وبين المبادرات الشخصية والتضامن ومقتضيات الجسم الاجتماعي كلّه، وبين منافع الوحدة والتنوّعات الخصبة. وليعترفوا بشرعية وجهات النظر المتناقضة، التي تتعلّق بالأحزاب السياسيّة، فمن واجبهم أن يُنمّوا ما يعتبرونه من مقتضيات الخير العام. غير أنه لا يُسمح لهم أبدا بتفضيل منفعتهم الخاصة على المنفعة العامة".

هذه تعاليم المجمع. فأين نحن منها. هل أعطينا المثل الطيّب في تنمية معنى المسؤوليات والاندفاع في سبيل الخير العام؟ هل برهنا بأعمالنا بأننا حاولنا التوفيق بين الحريّة والسلطة؟ بين المبادرات الشخصية والتضامن ومقتضيات الجسم الاجتماعي؟ هل اعترفنا بشرعية وجهات نظر غيرنا ولو كانت تناقض وجهة نظرنا؟ هل فضلنا الخير العام على خيرنا الشخصيّ؟

 

هل لنا حقا وطن؟

هذا سؤال يبدو مستغربا. ولكننا غالبا ما نتصرّف كأنه لم يبقّ لنا وطن نفيء إليه، ونستذكر تاريخه، ونعتزّ به، وندافع عنه، ونفتديه بالمهج والأرواح على غرار الآباء والأجداد. وسهولة الهجرة والانتقال بين البلدان، ربما أضعفت لدى الكثيرين من الناس مفهوم الوطن، وما يشّدّ أبناءه إليه. وهناك قول غالبا ما يتبنّاه السطحيّون من الناس وهو: "الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن". فيردّون الوطن إلى حيث يطمئنون إلى يومهم وغدهم.

وهناك من يدّعون أنّ التمسّك بالوطن يقيم حواجز بين الشعوب، فتتباغض عوضا من أن تتساند. ويقولون بمواطنية عالميّة. وهذا خطأ كبير له ذيول خطيرة. ذلك أنّ الإنسان يظلّ مطبوعا بالثقافة التي تلقاها في وطنه الأصليّ، وخاصة في محيطه العائلي. وهناك من يقولون أنّ مجالين، على الأقل، يستطيعان تعزيز فكرة الوطنية في أذهان المواطنين، وهما الاقتصاد والرياضة. فالمسؤولون السياسيّون غالبا ما يضعون الشأن الوطني فوق الاعتبارات الاقتصادية. والشباب وهواة الرياضة غالبا ما يرفعون بحماس شديد أعلام بلدهم، عندما يربحون دورة رياضية. وقد قال أحد المفكّرين الكبار: "الوطن ليس فكرة مجرّدة أو عصبية، وهو الذي يفسح في المجال لكلّ من الناس أن يتحمّل المحطّة الأولى التي لا بدّ منها بين العائلة، ويؤمّنها، وهي الخليّة الأساسية، والمجموعة البشرية بكاملها في مدى شعب أو أمّة محدّدين... والتعلّق بالوطن لا يصدر عن شعور مهووس، وأنانية متوحّشة. وهذا ليس بعاطفة سريعة العطب وأحيانا عمياء، بل مسؤولية جماعية ثابتة".

والمدرسة، بعد البيت، هي التي تحبّب الوطن إلى الأولاد، رجال الغد. وعليها أن تفهمهم ما قاله يوما الجنرال دي غول: "الوطنية معناها محبّة الوطن، والأممية معتاها احتقار أوطان الغير". وبعد المدرسة نجد الجيش والعدالة، وكلاهما يساعدان على ترسّيخ فكرة الوطنية في الأذهان.

وعلى العائلة مسؤولية كبيرة في تلقين الأولاد محبة الوطن. والعائلة والوطن يحتلان المساحة الوسطى القائمة بين الفرد والجماعة البشريّة. وكلاهما يتلقيان سهام الانتقاد. والفردية والانعزال يضعان مستقبل البشرية في خطر أكثر من تجمّع العائلات والشعوب السليم. وليس كالعائلة ما يعصم الأولاد من التشرّد والضياع والانسياق وراء ارتكاب الموبقات.

وعلى المسيحيين مسؤولية خاصة في هذا المجال. فهم مواطنون وأعضاء في الكنيسة التي تتعدّى الحدود الوطنية. والوطنية ما كانت يوما حاجزا يحول دون التواصل مع الغير. وكل حوار يفترض معرفة المحاورين فيما بينهم. والكنيسة هي خير من عمل على تقريب الشعوب بعضعم من بعض. وهي تشجّع على التفاهم بين أبناء الوطن الواحد. وهي تدعو أبناءها،على كل المستويات، اإلى بناء المجموعة الدولية. وهي، فضلا عن ذلك، تمدّ الوطن، بدعم خاص بها، وهو الصلاة، وهي جواب عميق على ما رسخ في نفوسنا من إيمان بالله، فنلقل: "احفظ يارب وطننا. واستجب لنا يوم ندعوك".

 

كيف نبرهن عن محبة الوطن

المحبة لا تكون بالكلام بل بالأعمال. إن القديس يوحنا يقول: " فهذه هي محبة الله، أن نحفظ وصاياه، ووصاياه ليست بثقيلة". ومحبة الوطن تقوم على تأدية الخدمات الماديّة والشخصيّة للدولة، تلك الخدمات التي يتطلّبها الخير العام، والتي هي جزء من الواجبات المدنية. وهذا واجب المسيحييّن، على ما جاء في قرار في نشاط الكنيسة الإرسالي: "إنّ تجمّع المؤمنين هذا، الحاوي على ثروات بلاده الثقافية بالذات، يجب أن تمتدّ جذوره عميقة في الشعب: فلتزدهر العيل مرتوية من روح الإنجيل، تساندها المدارس القيّمة، ولتؤسَس جمعيات وهيئات تستطيع رسالة العلمانيين أن تنفذ من خلالها بروح الإنجيل إلى المجتمع كلّه، ولتتلألأ المحبة أخيراً بين الكاثوليك على مختلف طقوسهم".

وعلى الذين يحبون وطنهم أن يندفعوا في سبيل الأمّة وتتميم واجباتهم المدنية تتميما أمينا، على ما جاء في رسالة العلمانين من المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني حيث يقول: "على الكاثوليك أن يشعروا بواجب تعزيز الخير العام من خلال محبتهم لوطنهم، والقيام بأمانة بواجباتهم المدنية. ولتحمل آراؤهم القيّمة السلطات المدنية على القيام بواجبها بعدل، وعلى أن يتجاوب التشريع مع المبادئ الأخلاقية والخير العام. وعلى الكاثوليك أيضا من ذوي الخبرة في الشؤون السياسية، والذين وطّدوا كما يجب إيمانهم وعقيدتهم على أسس متينة، ألاّ يرفضوا إدارة الشؤون العامة، فإنهم، إذا ما وجّهوها التوجيه اللائق، استطاعوا خدمة الخير العام، وتمهيد الطريق، في الوقت عينه، للإنجيل.

وقد سبق للبابا بولس السادس أن نبّه منذ سنة 1975 إلى وجوب العمل في سبيل السلام بقوله: "علينا أن نهنّئ الذين يعملون في خدمة العدالة والسلام، في مصلحة الضعفاء ونشجّعهم، وفي سبيل الخير العام. ولكن لدينا جميعا انطباع أن هذه الأهداف النبيلة، السامية، يعوزها مثال ناجع متناسق لينفحها بالقوّة. كل يفكّر بنفسه. كل يريد أن يجد ما فيه عاجلا مصلحته. وأن ما يعوزنا هو ديمقراطية حقاً أخوية، تحترم حاجات الآخرين وحقوقهم. وإنّ ما يعوزنا غالبا احترام الشرعية بحرية واستقامة. وهذا ما يفسح في المجال إلى اللجؤ إلى طرق معقولة تقود إلى إصلاحات تدريجيّة. ذاك أن الأنانية الجماعيّة تنتصب أمامنا. وبكلمة، انّ ما يعوزنا إنما هوَ المحبّة التي تُعطي، وتَهب ذاتها، وتسامح وتفتدي. وإنّ ما يعوزنا، إنما هذه المحبة التي علّمناها السيد المسيح، والتي جعل منها فرضا واجباً، والتي جعلها بالنسبة إلينا ممكنة. أجل المحبة".

أجل الأنانية سواء أكانت فردية أم جماعية، تهدف إلى الهدم لا إلى البناء، وإلى التفرقة لا إلى الجمع. وهي علّة العلل.

 

محبة الوطن محبة الأرض

ما من وطن إلاّ وله حدود يُعرف بها، وتنتهي حيث تبدأ حدود وطن آخر. وهي حدود غالبا ما تكون أرضية، وإن تداخلتها أحيانا حدود بحريّة أو نهريّة. وأرض الوطن هي الأرض التي يعيش الشعب المقيم عليها من مزروعاتها، وأشجارها، ونتاجها، وحيوانها، وأسماك بحارها وأنهارها. وهي الأرض التي تضمّ رُفات من مات من أبنائها الذين كوّنوا تاريخها، وعاشوا أحداثه بما فيها من انتصارات وانكسارات.

وقد توقّف المجمع الماروني عند وجوب المحافظة على أرض الوطن، مستندا الى الثوابت اللاهوتية والتاريخية. وممّا قاله في هذا المجال، بعد أن أشار إلى ما جاء في الكتاب المقدس في ما خصّ التمسّك بالأرض: "بفضل التجسّد الإلهي أصبح للأرض قيمة خلاصية، لذا تنبغي العناية بها والمحافظة عليها واحترامها، لأنها لم تعد أرض الإنسان فحسب، بل اصبحت أرض التجسّد الإلهي. ومفهوم الأرض اللاهوتي هذا قد ترسّخ في أعماق النفس المارونيّة كما نتلّمسه في صلواتنا البيعية وفي كتابات آبائنا القديسين"... فالأرض عطيّة من الله... تصبح في نظر الموارنة مساحة للعيش الحرّ الكريم، وتأدية الشهادة الصادقة للمسيح، والتفاعل الإنساني السليم مع سواهم من الناس. وهي مكوّنة للهويّة التاريخية والاجتماعية والسياسية، وهي ارث وطني وجماعي".

والذين يتخلّون عن أرضهم عن طريق بيعها، خاصة لغير اللبنانيين، إنما ينتهكون حرمة وطنهم بتسريبّ ما تحمله من قيم عاشها مَن مرّ بها من السلف الصالح ممّن يرقدون في طبقاتها على رجاء القيامة السعيدة. والمجمع الماروني يدعو اللبنانيين إلى المحافظة على أرضهم، ويهيب بالدولة إلى وعي أهميتها ومساعدة المزارعين على حراثتها واستثمارها والإفادة من نتاجها وثمارها.

وهذا ما تقضي به الوطنيّة الصحيحة التي هي "المحبة المنظّمة للعائلة والبيت والتي تمتدّ الى الحدود التي رسمها تاريخ مشترك".

و"للوطن بعدان: حضور في المدى، واستمرار في الزمن. وهذان البعدان يعبّر عنهما التضامن. فنحن متضامنون في الثروات والأثقال، وفي ما يعرب عن النزاهة والحقارة (وننبذ هذه الأخيرة)، وعن الانتصارات والكوارث الجماعية، وفي اللغة والشعور، والتقاليد، وطريقة الكينونة التي تمّيزنا".

"محبة الوطن تعني القبول بكل ما هو أرث جماعي، كما يقبل الإنسان والديه ويحترمهما، ولو اعترف بما لديهما من نواقص وأخطاء، كما يقبل البيت الذي أبصر النور فيه ويحترمه، ولو فقيرا، وضيعاً.

و"اذا كانت الوطنية تفترض معرفة الإنسان تقاليده الخاصة التاريخية"، (فهذا يجب أن يظهر في كتب التاريخ المدرسية). "لا شكّ في أنه ليس هناك تاريخ دون ظلال. وليس من تاريخ شخصي لا علاقة له بتاريخ الآخرين. ولكن، دون أن ننسى ذلك، نعتقد أن تاريخ البلد الذي ننتسب اليه، يقدّم أمثلة كبيرة عن فضائل أدبية ومدنية، وهذا يشكّل إرثا ثمينا يمدّ تاريخ الثقافة والحضارة يُعتبر اهمال نقله إلى الأجيال الطالعة افقارا جماعيا".

"وبالنسبة إلى المسيحيّ، وحتى إلى غير المسيحي، دون خشية الوقوع في خطأ، أن يسوع المسيح كان وطنيا بالمعنى الإيجابي الصحيح للكلمة. وفي الإنجيل علامات تدلّ على محبّته لوطنه الصغير، المحتقر، والمساءة معاملته في عصره. لقد شاء يسوع أن يعيش فيه، ويشارك في مصيره، وآلامه، وما ناله من اذلال."

وأرض الوطن، كالوطن، أمّ تجب محبتها، فقيرة كانت، أم غنية. إنها الأرض المغذية التي تختزن كنوز التاريخ، وقد شهدت وقائعه، ورافقت أجياله، وطبعت جميع الذين أبصروا النور عليها، وضمّتهم، في مساء العمر، إلى صدرها، ليروي الخلف من بينهم عن السلف ما نسجه في حياته من تاريخ.

 

محبة المواطنين

عبثا نحبّ الوطن، إذا كنّا لا نحبّ المواطنين الساكنين فيه، المقيمن على أرضه، والمغتذين من نتاج هذه الأرض. وهم شركاؤنا في الوطن نقاسمهم حلو الحياة ومرّها، ونكتب معاً تاريخ الوطن الذي يحضننا. والمحبة هيَ الألف والياء في الدين المسيحي. واذا أردنا أن نمحو عبارة المحبة من الإنجيل، على ما قال أحد مشاهير شرّاحه، فقد لا يبقى بين أيدينا إلا وريقات لا ندري ما لها من قيمة. وقد تحدّث الإنجيل بإسهاب عن محبة الآب لابنه يسوع، ومحبة يسوع لأبيه الآب، ومحبة يسوع للناس، وعن واجب محبة الناس لله الآب، ومحبة التلاميذ ليسوع، ومحبة التلاميذ لبعضهم بعضا، وحتى للأعداء. أفما قال، عندما سأله أحد علماء الشريعة يوما بقوله: "يا معلمّ ماذا عليّ أن اعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فاجابه يسوع: ماذا تقول الشريعة؟ أجاب أن تحبّ الربّ من كلّ قلبك، وكلّ نفسك، وكلّ قوّتك، وكلّ فكرك، وأن تحبّ قريبك كنفسك". قال له يسوع "أحسنت الجواب. اصنع هذا فتحيا". وعندما سأله من هو قريبي، أورد له مثل السامري الذي سارع إلى نجدة رجل وقع بين أيدي اللصوص فسلبوه وضربوه وتركوه بين حي وميت. ومرّ به كاهن ولاوي فلم يقفا ليريا ما به. وأما السامري فنقله إلى المستشفى، على الرغم ممّا بين السامرييّن واليهود من عداء، واعتنى به وتكفّل بنفقات تطبيبه. فأثبت أنه حقا قريبه، على الرغم ممّا بين عشرتيهما من عداوة. وأنهى يسوع المثل بقوله: "مَن مِن هؤلاء الثلاثة أظهر أنه حقا قريب من هذا الجريح؟. أجابه: السامري. فقال له يسوع: "اذهب واصنع مثله".

لعلّ أصعب ما جاء في الإنجيل قوله بمحبة الأعداء، خلافا لما جاء في العهد القديم الذي قال بمحبة الأحباء وبغض الأعداء. وهذا ما نقضه السيد المسيح، وقال بما لا ترضاه النفوس بطيبة خاطر، إن لم تكن ترفضه رفضا تاما.

ومحبة المواطنين توجب على المتخاصمين المصالحة. وهذا ما شدّد عليه السيد المسيح بقوله: "إذا خطئ إليك أخوك، فاذهب وعاتبه بينك وبينه. فان سمع لك، فقد ربحت أخاك. واإذا لم يسمع لك، فخذْ معك واحدا أو اثنين، فعلى فم شاهدين أو ثلاثة، تقوم كل كلمة. فان لم يسمع لهذين، فقل للكنيسة، وإن لم يسمع للكنيسة أيضاً، فليكن عندك كوثني وعشّار". وأضاف قائلا: "الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولا في المساء".

وان ما شهدناه في هذه الأيام الأخيرة على مسرح الحياة السياسيّة في لبنان، وبخاصة بين المسيحييّن، يدلّ على أننا لا نزال بعيدين كلّ البعد عن تعاليم السيد المسيح القائل: "الأصغر فيكم جميعاً هو يكون عظيما". وقال أيضاً: "إن ملوك الأمم يسودونها، والمتسلّطون عليهم يُدعون محسنين، أمّا أنتم فلستم هكذا. بل ليكن الأعظم فيكم كالأصغر، والرئيس كالخادم". فاذا بنا نتزاحم على السراب، ونتعادى على الحطام، ونتقاتل على الأوهام. وكأننا نعيش في عالم آخر لا يمتّ بصلة إلى الواقع المعاش. وقد أصبحنا غير ما نحن. فانسقنا وراء غرائزنا، واستسلمنا لما يمليه علينا خيالنا. وكأننا رجعنا عشرين سنة إلى الوراء، لنرى المشاهد عينها، والاصطفافات ذاتها، والتراشقات التي لا تتبدّل ولا تتغيّر. وباطلا مات من مات، واستشهد من استشهد، وهاجر من هاجر. وكأن الزمن قد تجمّد، ولم يدر الفلك دورته المعتادة. فاذا بنا نحن على حق، ومن هم قبالتنا على باطل، ولو كانوا اخوانا لنا في الوطن، والدين، والتطلّع إلى المستقبل.

وعلى الرغم من ذلك كله، ندّعي أننا من خيرة الناس، أخلاقا، وكياسة، وحسن معاطاة. وفاتنا أن المسيحيين في مجال السعي إلى الغفران، والمصالحة، ونشر المحبة والسلام، يجب أن يكونوا القدوة والمثل. وما عبثا قال السيد المسيح "أنتم ملح الأرض. فاذا فسد الملح فأي شيء يملّحه؟... أنتم نور العالم... ليضيء نوركم أمام الناس، ليروا أعمالكم الصالحة، ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات". هذه شؤون جوهرية في الرسالة المسيحية. وهذا ما شدّد عليه السيد المسيح مراراً وتكراراً. ولكيلا ننسى ما علّم في مجال المصالحة والغفران، فقد تركه لنا في تعبير نموذجي بالغ الإيجاز، فعلّمنا أن نقول في الصلاة الربية: "إغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نفغر لمَن خطئ إلينا". وكأنه علّق غفرانه لنا على غفراننا للذين أخطأوا الينا.

وجاء في رسالة وجّهها مطارنة البرتغال منذ أربعين سنة إلى أبنائهم، فخاطبوهم بقولهم لهم: "فالأمر هنا يجري كما في العلاقات الدولية: فالدبلوماسية، وتعادل القوى، والخوف، كل هذا لا يكفي في العلاقات الإنسانية في قلب الوطن الواحد، لاجتناب الخلافات. إن السلاح الأمضى لإقرار الوفاق بين الناس، إنما هو، على ما ذكّر به الأب الأقدس في رسالته في مناسبة يوم السلام العالمي، المبدأ الذي أعلنه السيد المسيح، وهو: "أنكم كلكم أخوة".

"واذا كان وعي الناس للأخوّة الشاملة يتمكّن من النفاذ إلى قلوبهم، هل يكونون في حاجة اإلى التسلّح إلى حدّ أن يصبحوا قتلة عميانا ومهووسين لأخوانهم الأبرياء بحدّ ذاتهم، ولأن يرتكبوا، إكراما للسلام، مجازر تنمّ عن عنف لا يُصدّق؟ فالسلام يتوطّد فقط بالسلام، الذي لا يمكن فصله عن مقتضيات العدالة، والذي تغّذيه التضحية بالذات، وطول الأناة، والرأفة، والمحبة"، على ما جاء في رسالة البابا بولس السادس الصادرة في الأول من كانون الثاني سنة 1976.

وان الكلام الذي وجّهه المثلث الرحمة البابا يوحنا بولس الثاني إلى جميع اللبنانيين في الإرشاد الرسولي، "رجاء جديد للبنان"، الصادر في العاشر من أيار سنة 1997 لا يزال على جدّته. وقد جاء فيه عن السلام والمصالحة ما يوجب العودة إليه في هذه الأيام المضطربة التي نعيش فيها. وهو يقول: "ينبغي تعزيز السلام الدائم المبني بكل صبر وأناة"، لأن السلام الدائم وحده بامكانه أن يكون الينبوع الحقيقي للإنماء والعدالة. وأضاف يقول: "على المسيحييّن، لأنهم تقبّلوا من المسيح، أمير السلام، هذه الهبَة التي تبدّلهم من الداخل، أن يكونوا أول شهود للسلام، وفي مقدّمة صانعيه. وإنجيل السلام دعوة مستمرّة إلى الغفران والمصالحة. ويمرّ السلام عبر الدأب في ممارسة الأخوّة الإنسانية، وهي من المقتضيات الأساسية، الناجمة عن مشابهتنا المشتركة لله، وتنبع، اذن، من مقتضيات الخلق والفداء. وحيثما تجاهل الناس كل التجاهل ما بينهم من أخوّة ينهار السلام من أساسه. وبناء السلام يصبح خدمة للمحبة. وهي علامة نبوّية لملكوت السماوات".

 

ما يحدث في لبنان يتنافى وبناء السلام

بناء السلام يتطلّب لدى المواطنين رؤيا واضحة، دونما انسياق وراء هذا أو ذاك من الذين يحسنون اثارة المشاعر، وتحقير الخصوم، وتقبيح ما يقومون به من أعمال ويتخذون من مواقف، فيما هم يدأبون في إظهار محاسن ما هم يقدمون عليه من مواقف، ويتخذونه من مبادرات، وينادون به من طروحات.

إن الواجب يقضي بأن نرى الأمور، لا من خلال زجاجات ملوّنة، بل من خلال نظرة ثاقبة مجردّة. والعين المجرّدة ترينا إلى أي درك انحدرنا، واللوحة قاتمة:

 

       1- الديون ارتفعت الى ما فوق الأربعين مليار دولار، وهي مستمرّة في الارتفاع لما يتوجّب عليها من استحقاقات وفوائد. ومعظم الشباب اللبناني لا يجدون فرص عمل في وطنهم، وهم ذوو كفاءة عالية وشهادات جامعية، يلجأون اإلى الهجرة، امّا ألى البلدان العربية، على أمل العودة يوما إلى لبنان، وامّا الى بلدان الغرب البعيدة، والأمل ضئيل بعودتهم إلى وطنهم الأول.

        2-أعداد المواطنين الذين يشكون الفقر والعوز، المتناميين كل يوم، وهم يعيشون من حسنات الجمعيات الخيرية، ومطاعم القلب، وما تحاول الدولة أن تمدّهم به من بعض مساعدات، فيما يتكاثر عدد الطارئين من كل البلدان المجاورة، ومن بينهم مسلّحون من أصحاب السوابق، ولا ضابط لهم، ولا رقابة عليهم، وغالبا ما يكونون عنصر شغب وإجرام.

        3-اقفال العديد من المحلات التجارية خاصة في وسط العاصمة لما أقيم فيها من خيم نصبها المضربون الذين يقضون معظم أيامهم ولياليهم في تدخين النارجيلة ولعب الورق، وقتل الوقت.

       4-بوار موسم الصيف والأشتاء بسبب الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان بين شهري تموز وآب من السنة الفائتة، وما تبعها من ذيول تسببّت بخسائر فادحة، حملت بعض بلدان العالم على الإسراع إلى نجدتنا بمساعدة بلغت ما فوق السبعة مليارات دولار أميركي.

        5- وقد زاد الأمر تأزّما ما نشهده من خلافات على صعيد الدولة والحكم. فالمؤسسات الرسمية الأساسية تطعن احداها بشرعية الأخرى، فاذا بها على قدر كبير من الشلل. وهناك تعيينات في السلك الديبلوماسي، والادارة وبعض المجالس الرسميّة ترجأ إلى ما لا نهاية له، لما هناك من خلاف بين أهل الحكم.

        6-وبدلا من معالجة هذه الحالة بروح وطنية بنّاءة، نرى أهل السياسة في الحكم وخارجه، يتراشقون كل يوم بأقذع النعوت، بدلا من أن يتكاتفوا ليبحثوا في أنجع الوسائل لاخراج البلد من محنته الطويلة، وكأنهم قد تقمّصوا سواهم من ذوي الشأن في بلدانهم، قريبها وبعيدها، فيعملون بإرادات هؤلاء لمصالح بلدانهم بدلا من أن يعملوا لمصلحة بلدهم لبنان دون سواه.

     
       7- وهناك فوارق بين المواطنين الذين يدفعون ما عليهم من واجبات تجاه الدولة، والذين لا يدفعون، فاذا بالمؤسسات الرسمية تعاني العجز، ويكفينا أن نذكر مؤسسة كهرباء لبنان التي يقال انها تخسر كل سنة مليار دولار فيما مثيلاتها في كل بلدان العالم تحقق أرباحا وفيرة.

والمآخذ كثيرة واللائحة طويلة. ونكتفي منها بهذا القدر، لعلّها تسترعي انتباه من يجب للمبادرة إلى تغيير الأسلوب واستبدال النهج بسواه، والمسارعة إلى رصّ الصفوف والعمل معاً متساندين لإنهاض بلدنا والعودة به إلى سابق عهده من الأمان والسلام والازدهار.

 

وان ما اشرنا اليه من سوء حال يتنافى وبناء السلام المنشود. وهذا يتطلّب حسن نيّة، ومحبة لا أنانية فيها للوطن، وتضحيات جساما يقدم عليها جميع المواطنين، كلّ من موقعه، وبحسب وقدراته، لينهض الوطن.

 

الختام

وقبل اختتام هذه الرسالة، لابدّ من التذكير بما دأب في قوله عن لبنان قداسة الحبر الأعظم البابا بنديكتوس السادس عشر منذ اعتلائه السدّة البطرسية، وقلّما ترك سانحة إلاّ انتهزها للفت النظر إلى ما يجري في بلدنا من أحداث دامية. وبالأمس قد خاطب جماهير المؤمنين المحتشدين في ساحة القديس بطرس بدعوته إياهم إلى الصلاة من أجل السلام في لبنان والمنطقة، فقال: "خلال الأيام القليلة، الماضية، ادّى العنف مجدّدا إلى إراقة الدماء في لبنان فمن غير المقبول أن يستمرّ هذا النهج لدعم أغراض سياسية. وأضاف يقول: "انني أشعر بألم شديد لهذا الشعب الغالي. واني أكررّ حثّ مسيحييّ لبنان على أن يعملوا من أجل حوار فعلي بين مختلف المجموعات. اني أعلم أن الكثير من اللبنانيين يراودهم اليأس، وأصبحوا حائرين بسبب ما يجري... اني أضرع إلى الله مع مسؤولين آخرين من رجال الدين لكي يتمكّن كافة اللبنانيين بدون تمييز من العمل سويا لجعل وطنهم بيتا مشتركاً فعليّا، متجاوزين المواقف الأنانية التي تحول دون الاهتمام ببلدهم" وتابع يقول: "أتمنّى أيضاًً أن تتوقّف أعمال العنف في قطاع غزّة في أسرع وقت. وبودّي أن أقول للشعب برمّته إنني قريب منه روحيّا، وأطلب له بصلواتي أن تعمّ الإرادة في العمل سوّيا من أجل المصلحة العامة، واللجوء إلى الوسائل السلمية للتعامل مع الاختلافات والتوتّرات".

 

ليتنا نعي ما ينصح لنا به قداسته، ونضعه موضع العمل، لنعود ببلدنا إلى ما فيه طمأنينة أبنائه، وعزّتهم، وكرامتهم. ونعود فنبني فينا الأخلاق، ونحصّن القيم والفضائل المسيحية.

ليتنا نعرف قيمة هذا الوطن الذي يتمتّع بقدر من الحرية قد لا نجد مثيلا لها في المنطقة، ولكننا أفسدناها فجعلنا منها فوضى عادت علينا جميعا بالضرر الكبير.

انا نشكر قداسة الحبر الأعظم لمتابعته الوضع اللبناني المأساوي بعاطفة الأب المحبّ، ونشكر له لفت نظر العالم إلى ما نحن فيه من وضع بائس، نأمل أن نخرج منه بأسرع وقت ممكن.

وعلينا أن ننتهز فرصة هذا الزمن المقبول لدى الله، زمن الصوم والتقشّف والعودة إلى الذات، لنسأله تعالى، بشفاعة العذراء مريم سيّدة لبنان، أن يرأف بنا ويعيدنا إلى سابق عهدنا بالوفاق والتساند والسلام.

ولا يغرب عن بالنا أن نشكر جميع الذين مدّوا إلينا يد المساعدة من دول ومنظّمات دولية، نأمل أن تمكّننا من تجاوز ما يعترتض سبيلنا من صعوبات، واستعادة عافيتنا لاستئناف ما لنا من دور سلميّ حضاري قمنا ولا يزال في مقدورنا أن نقوم به في بلدنا ومنطقتنا.

وعلينا أن نرسّخ منا في الأذهان أنا إن لم نساعد نفوسنا، فباطلا يساعدنا الناس، وأنّ من يقدّم لنا سمكة يسدّ جوعنا ليوم، ولكن إذا تعلّمنا صيد السمك، فبإمكاننا أن نسدّ جوعنا كل يوم.

وان أبقى ما يبقى في الدنيا إنما هو المحبّة التي علّمناها السيد المسيح بمثله وكلامه، وبواسطة كنيسته التي لا تزال تتمّم رسالته في العالم، رسالة التفاهم والمحبة والسلام بين الأفراد والجماعات والشعوب.

وإنّا نتوجّه أخيرا إلى العذراء مريم، أمّ الله، لنسألها أن تستمدّ لنا من ابنها الحبيب ، يسوع المسيح نعمة المصالحة، والغفران، لنحزم أمرنا ونستأنف حياتنا بعزم ثابت، وطمأنينة بال، متكلين على الله، وعلى ما تركه لنا السلف الصالح من أمثلة يزخر بها تاريخنا في هذا الوطن الذي سقوا تربته عرق الجبين ودم القلب، ليتركوه لنا نموذجا في كيف يجب أن يكون العيش المشترك في جوّ من الثقة المتبادلة والاحترام التام.

وعلى هذا الأمل، وبالاتكال على الله وعلى عنايته الإلهية، وبشفاعة القديس مارون، شفيع كنيستنا المارونية، نسأله تعالى أن يبارككم جميعا ويسدّد خطاكم إلى ما فيه الخير لكم ولبلدنا لبنان، وأن يشملكم دائما، مقيمين ومغتربين بفيض نعمه وبركاته.

 

نأمر بتلاوة هذه الرسالة تباعا في أيام الآحاد والأعياد في القداس بعد الإنجيل المقدس.

التفسيح من الصوم والفطاعة

       من المعلوم أن الصوم يقوم بالإمتناع عن الأكل والشرب من نصف الليل إلى الظهر – عدا الماء الذي لا يفسخ الصوم – وأن القطاعة تقوم بالامتناع عن أكل اللحم والبياض. ولكننا نظراً إلى أنه ليس بإمكان البعض من أبنائنا أن يجدوا الطعام المنوّع الذي يحتاجون إليه، وهذا ما يضطرهم إلى الاكتفاء بما في متناولهم، نفسّح من هاتين الشريعتين من صوم 2007 إلى صوم 2008 كما يلي:

1 – نسمح بأكل البياض في هذه المدة .

2 – يجب الصوم والإنقطاع عن أكل اللحم في يوم اثنين الرماد ويوم الجمعة من أسبوع الآلام .

3 – يجب الانقطاع عن أكل اللحم يوم الجمعة على مدار السنة، غير أنه يمكن أكل اللحم يوم الجمعة: اذا وقعت فيه الأعياد الواجبة بطالتها، وهي:

       أ- الميلاد، رأس السنة، والغطاس، ومار مارون، ومار يوسف، وبطرس وبولس، وانتقال العذراء، وارتفاع الصليب، وجميع القديسين، والحبل بلا دنس، وعيد شفيع الرعية.

       ب- وفي الفترة الواقعة بين عيدي الميلاد والغطاس.

       ج- وفي الفترة الواقعة بين عيدي الفصح والعنصرة.

       د-  وفي أسبوع المرفع.

       لقاء التمتّع بهذا التفسيح، نحضّ أولادنا الأعزاء على أن يعنوا بالأمور الروحية ويتمّموا الواجبات الدينية ويمارسوا أعمال التقشف والأماتة والمحبة والرحمة ولا سيّما تجاه المحتاجين والمرضى وأن يخصّص القادرون منهم نفقة يوم في الأسبوع طوال هذا الصوم لمساعدة اخوانهم المعوزين يدفعون بدلها لصندوق المساعدات في أبرشيتهم، ليكون صومهم مشاركة محسوسة في التقشف والآلام، وأن يصلّوا على نيّة الحبر الأعظم لأجل إحلال السلام في ربوعنا وفي العالم أجمع، ومن أجل تطبيق ما جاء في الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" وارتداد الخطأة إلى التوبة وانتصار أمنا الكنيسة المقدسة وتحقيق وحدتها، ومن أجل نجاح مجمعنا وهذا خير ما يقومون به بدلا من الصوم والقطاعة.

عن كرسينا في بكركي، في الخامس عشر من شباط سنة 2007 .

 الكردينال نصرالله بطرس صفير

 بطريرك انطاكية وسائر المشرق

الصفحة الرئيسيّة   ||   بطريرك من لبنان